تشارك الإمارات في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مرحلة دولية تفرض الحاجة إلى مقاربات واقعية لمعالجة الأزمات. فاجتماعات نيويورك تنعقد وسط نزاعات ممتدة، وتوتّرات تضغط على أمن الملاحة والطاقة والتجارة، وتباين بين القوى الكبرى يضعف قدرتها على التوافق حول قضايا رئيسية. وتعكس المشاركة الإماراتية قناعة بأن تعثّر الدبلوماسية يزيد الحاجة إلى تطوير أدواتها والعمل مع الشركاء للوصول إلى نتائج أكثر فاعلية.
ويؤكد ترؤّس سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، وفد الدولة حجم الاهتمام الإماراتي بالعمل الدبلوماسي. وتتوزع الأولويات بين تسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار، وتطوير أداء الأمم المتحدة وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والعمل المناخي والأمن المائي. ويجمع بينها مفهوم شامل للأمن يربطه بقضايا التنمية والتحولات المستقبلية.
أثبتت الحروب الإقليمية والدولية أن تداعياتها لم تَعُد محصورة بأطرافها، فآثارها تمتد إلى الاقتصادات والمجتمعات حول العالم، وتؤثّر في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد. لذلك تنظر الإمارات إلى إنهاء النزاعات باعتباره ضرورة للحد من آثار الصراعات وحماية مصالح الدول وشعوبها، وتدفع باتجاه الحوار والوساطة للوصول إلى تسويات سياسية. ويمنحها تعدُّد شراكاتها مساحة أوسع للتحرك والمساهمة في تقريب وجهات النظر.
وتُشكّل اجتماعات نيويورك فرصة للدفع برؤية إماراتية لأمن الخليج، تقوم على أن الحوار بين إيران والولايات المتحدة لا يكفي وحده لمعالجة المسائل التي تمس دوله مباشرة. فالقضايا المرتبطة بمستقبل المنطقة وأمنها وتنميتها تحتاج أيضاً إلى حوار عربي إيراني، وألا تبقى محصورة في المفاوضات بين طهران وواشنطن. فالدول المعنية مباشرة بنتائج أي تصعيد أو تفاهم يجب أن يكون لها دور فاعل في رسم مستقبل المنطقة.
وصعوبة التوصل إلى مواقف أممية مشتركة تؤكد حاجة الأمم المتحدة إلى تطوير أدواتها بما يتناسب مع المتغيرات الحالية. فبطء الاستجابة لعدد من القضايا يستدعي مراجعة آليّات العمل، مع الحفاظ على دور المنظمة كمرجعية للتعاون بين الدول. لذلك يحمل دعم الإمارات لمبادرة «الأمم المتحدة 80» دلالة مهمة، تقوم على إصلاحها ورفع كفاءتها وقدرتها على التعامل مع توازنات وتحديات تغيرت كثيراً منذ تأسيسها.
والذكاء الاصطناعي من الملفات التي لم تكن مطروحة عند إنشاء الأمم المتحدة قبل أكثر من ثمانية عقود. وقد أصبح جزءاً من الاقتصاد وصناعة القرار، بينما تتقدم قدراته بوتيرة أسرع من الأطر المنظمة له. وإدراج حوكمته ضمن التوجه الإماراتي يعكس نظرة استباقية نحو قواعد دولية مسؤولة تسمح بالاستفادة من التقنية وتَحدُّ من مخاطر اتساع الفجوة بين الدول.
وكذلك تضم الأجندة الإماراتية ملفات المناخ والمياه، استناداً إلى تجربة الدولة في «كوب28» و«اتفاق الإمارات» الذي أُقر خلاله. فآثار ندرة المياه تتجاوز البُعد البيئي، وتمتد إلى الغذاء والصحة وسبل العيش، خصوصاً مع تزايد الضغوط المناخية والديموغرافية.
وترتبط مناقشات المياه في نيويورك بالتحضير لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تشترك الإمارات والسنغال في استضافته خلال ديسمبر المقبل. فجمع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية لمناقشة أحد أكثر التحديات إلحاحاً يعكس انتقالاً من طرح القضايا إلى المشاركة في صياغة حلولها.
تجمع السياسة الخارجية الإماراتية بين الانفتاح واستقلال القرار، والمصالح الوطنية والمسؤولية الدولية، وهو ما يظهر في بناء علاقات واسعة والتحرك بمرونة في أكثر من اتجاه. وتحوّل دبلوماسية الإمارات علاقاتها إلى شراكات، ومواقفها إلى مبادرات حقيقية، والنقاش الدولي إلى نتائج ملموسة يمكن متابعة مساراتها والبناء عليها، وهو الزخم الإيجابي الذي تعكسه مشاركة وفد الدولة في نيويورك.
*كاتب إماراتي