نتهى أخيراً موسم الانتخابات الذي كانت ألمانيا تترقبه بقلق بالغ. وخلال الأسابيع الماضية، شهدت البلاد ثلاثة انتخابات إقليمية، حقق فيها حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتشدد مكاسب ضخمة. ففي «ساكسونيا أنهالت»، من المرجح أن يتولى الحزب السلطة للمرة الأولى في تاريخه، بينما حقق نتيجة قوية في برلين، معقل القوى التقدمية، وتصدَّر النتائجَ في «مكلنبورغ فوربومرن»، وهو انتصارٌ لم يُخفف من وطأته سوى الأداء الناجح نسبياً لـ«الحزب الديمقراطي الاجتماعي».
وأحدثت النتائج صدمة في أنحاء البلاد، وسط تحذيرات من أن تيار الوسط يتداعى مع صعود اليمين المتشدد وتعرض الديمقراطية للخطر. ويواجه المستشار فريدريش ميرتس ضغوطاً متزايدة، بعد فشل حزبه في دخول برلمان مكلنبورغ فوربومرن. ومع ذلك، أعلن ميرتس عزمَه البقاء في السلطة والمضي قدماً، لكن من غير الواضح ما إذا كان حزبه سيسمح بذلك أم لا.
خصوم حزب «البديل من أجل ألمانيا» يتهمونه بنشر الكراهية ضد الأقليات، وبتبني أيديولوجية قومية عرقية، وبالتقارب مع روسيا.. إلخ. ورغم ذلك، ينبغي عدم الاستسلام للتشاؤم، إذ لا يزال هناك متسع من الوقت لتغيير المسار.وألمانيا ليست دولة متهالكة ومفلسة، كما يصورها «البديل من أجل ألمانيا»، لكنها تواجه تحديات جسيمة، في المجالات الاقتصادية والصناعية والسكانية والبيئية.. إلخ. وتتطلب كل هذه المشكلات إصلاحاتٍ جذريةً. وقد بدأت حكومة ميرتس في اتخاذ خطوات، مثل إصلاح نظام التقاعد. وفي مواجهة مجتمع متقدم في العمر، متشكّك في التغيير، وضغوط اليمين المتشدّد، هناك حاجة إلى تغيير النهج للخروج من المأزق.
أولاً، يجب التوقف عن الشكوى وإظهار الشجاعة. فبعد عشر سنوات من وصول ترامب إلى السلطة وتصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، دخل الوسطيون والتقدميون في صراعات ومراجعات ذاتية للبحث عن أسباب نجاح اليمين والصراع بشأنها. وحان الوقت لأن يركّز تيار الوسط على ما يراه صحيحاً، بدلاً من جعل اليمين المتطرف نقطة مرجعية دائمة.
ثانياً، يجب النظر إلى المستقبل. ورغم أن التحوّل له تكلفة، ومنها ارتفاع أسعار الطاقة في ألمانيا مع استعداد شبكة الكهرباء لمستقبل خالٍ من الكربون، فإن الأحزاب الرئيسية ركّزت كثيراً على تلك التكلفة وقليلاً على الفوائد. فالطاقة المتجدّدة أرخص على المدى الطويل، وستقلّل اعتماد ألمانيا على روسيا، كما ينبغي إبراز المزايا طويلة الأجل لإصلاحات قطاعي الإسكان والتقاعد وغيرها.
ثالثاً، وهو الأهم، يجب التركيز على المستوى المحلي. فالتغيير الوطني بطيء ويصعب رصده، بينما يمكن تحقيق نتائج أسرع في البلدات والقرى والأحياء، حيث يختبر الناس السياسة فعلياً، فهناك تظهر قضايا مثل العولمة والهجرة ودورة الدولة في صورة خدمات: رعاية الأطفال وإدارة النفايات والمدارس والرعاية الاجتماعية.
وتحتاج المناطق الريفية والبلدات الألمانية إلى اهتمام جاد، حيث تحتضر القرى مع رحيل الشباب وإغلاق المتاجر والمقاهي. كما تفقد مراكز المدن حيويتَها بسبب التسوق عبر الإنترنت وارتفاع الإيجارات. وتظهر آثارُ الهجرة محلياً كذلك، إذ تتعامل المدارس مع أطفال لا يتحدثون الألمانية، بينما يفرض المهاجرون الذين لم يحصلوا على وظائف بعد ضغوطاً على ميزانيات الرعاية الاجتماعية.
ويمكن معالجة كثير من تلك المشكلات، مثل مواجهة تغير المناخ عن طريق إنشاء أماكن للتبريد، وزراعة الأشجار، وبناء الأسطح الخضراء، وإنشاء حدائق تمتص الأمطار.. وتحسين النقل العام، وتسهيل استخدام الدراجات، وبناء محطات الشحن. وهناك إصلاحات أخرى، من توسيع خدمات ما قبل المدرسة إلى تنظيم سوق الإيجارات.
لكن كثيراً من البلديات الألمانية تعاني مالياً. وفي مناطق صناعية سابقة، مثل غيلسنكيرشن ودويسبورغ، يذهب جزء كبير من الميزانيات إلى خدمة الديون وإعانات الرعاية الاجتماعية، مما يترك أموالاً محدودة لتحسين الخدمات أو مساعدة الأطفال المهاجرين في المدارس.
ومع ذلك، يمكن للحكومة أن تفعل الكثير، عبر تسهيل وصول أموال صندوق المناخ والتحول إلى المجتمعات المحرومة، وتوفير تمويل اتحادي للإسكان والتعليم، وجمع رؤساء البلديات لتبادل الخبرات. ويمكنها أيضاً استخدام العقارات الخالية في مراكز المدن كمراكز تبريد صيفاً ومقاهٍ منخفضة التكلفة بقية العام. والأهم هو إبراز كل نجاح محلي والتحدث عنه باستمرار.ومع ذلك، يتطلب نجاح تلك الجهود التحلي بالثقة والقدرة على تشكيل المستقبل دون خوف. فقد حان الوقت للدفاع عن بعض الأفكار الكبيرة مرة أخرى مثل المجتمعات متعددة الأعراق، والأسواق المفتوحة، والتحول المناخي، والعدالة الاجتماعية. ويتعين على الوسطيين والتقدميين أن يُظهِروا للناخبين أن السياسة تنجح حيثما تكون أكثر أهمية، أي في الداخل المحلي. وقد لا ينقذ هذا وظيفة ميرتس، لكنه قد ينقذ ألمانيا من مصير لا يريده لها أحد.
*صحفية ألمانية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»