أدى خفض التمويلات المخصصة للسودان، الذي يشهد أكبر أزمة إنسانية في العالم، إلى أن ربع الأشخاص البالغ عددهم 20 مليوناً فقط، ممن يواجهون خطر الجوع، يتلقون الآن مساعدات غذائية.
وفي أفغانستان، تؤثر التخفيضات في عدد الأمهات وحديثي الولادة الذين يموتون. أما في هايتي، فقد ظهر نقص التمويل في تقليص الوجبات الساخنة والحصص الغذائية خلال أزمة نقص الغذاء.
والسبب هو أن الأمم المتحدة تتلقى أموالاً أقل بكثير من الولايات المتحدة وبعض أغنى الدول الأوروبية لتوزيعها على البلدان المحتاجة. وأصبحت المنظمة التي تعاني شحاً في السيولة مضطرة إلى العمل بميزانية أكثر تقشفاً بكثير.
ويجتمع قادة العالم في نيويورك الآن لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت شعار «استعادة الثقة، وإدارة التحول». ووصف توم فليتشر، رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، التخفيضات بأنها «أشد عجز في التمويل في تاريخ المساعدات الإنسانية». وقال لصحيفة «إل باييس» الإسبانية في يونيو: «تضطر فرقنا إلى اتخاذ قرارات قاسية: التخفيضات تجبرنا على اختيار الأرواح التي سننقذها وتلك التي لن ننقذها، والبرامج التي سنمولها وتلك التي سنتخلى عنها».
وتجد الأمم المتحدة نفسها أمام اختبار حاسم، بينما تتحول إلى منظمة أصغر وأكثر رشاقة. ويتعين على الجمعية العامة معالجة تساؤلات حول قدرتها على تنفيذ الإصلاحات اللازمة، أو ما إذا كان عمق التخفيضات يجعل هذه المهمة مستحيلة.
ويقول سام لوينبيرغ، الصحفي المتخصص في التنمية الدولية والصحة العالمية: «يتعين على البلدان منخفضة الدخل والدول المانحة والمنظمات متعددة الأطراف التكيف سريعاً مع هذا الواقع الجديد». ويضيف: «هناك فرصة هنا للدول النامية لتولي زمام الأمور بشكل أكبر وزيادة إنفاقها الذاتي في هذه المجالات، ولتكون لها كلمة مسموعة أكثر فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية، بما يضمن تلبية احتياجاتها بطريقة أكثر استدامة».
واستجابة لخفض المساعدات الدولية، حث الاتحاد الأفريقي الدول الأعضاء فيه على تعزيز الاعتماد على الذات والتعاون الاقتصادي الإقليمي. وقد بدأت الدول النامية الميسورة نسبياً، مثل جنوب أفريقيا في توفير جزء كبير من التمويل اللازم لبرامجها الخاصة بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية «إتش آي في». وفي المقابل، يرى الخبراء أن الدول الأفقر لا تملك الخيار ذاته، وهي الأكثر تضرراً من هذا التراجع في التمويل.
وفي يناير الماضي، وقع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، العديد منها مرتبط بالأمم المتحدة، قائلاً إنها «لم تعد تخدم المصالح الأميركية». وتعهدت الولايات المتحدة بتقديم إجمالي 3.8 مليار دولار من المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة هذا العام، انخفاضاً من مستوى قياسي بلغ 17 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة.
ولطالما كانت الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، أكبر مانح للمساعدات الخارجية. غير أن بعض أغنى داعمي الأمم المتحدة، ومن بينهم المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان، خفضوا أيضاً مساعداتهم الدولية، في ظل زيادة احتياجات الإنفاق الدفاعي والظروف المالية الصعبة.
ووفقاً لأرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ساهمت هذه الدول، إلى جانب الولايات المتحدة، في 95.7% من إجمالي الانخفاض في التمويل.
ويقول دكتور كيني، إن أعمق التخفيضات الأخيرة استهدفت بعض أكثر وكالات الأمم المتحدة الإنسانية فاعلية. فقد انخفض تمويل برنامج الأغذية العالمي إلى النصف، ليصل إلى 2.3 مليار دولار، بينما تراجع الدعم المالي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من نحو ملياري دولار إلى 868 مليون دولار. كما انخفضت ميزانية منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من نحو 1.2 مليار دولار إلى 447 مليون دولار.
ومع ذلك، كانت هناك دعوات لإصلاح الأمم المتحدة قبل وقت طويل من بدء التغييرات في التمويل. إذ يقول لوينبرغ «إن التمويل الذي غالباً ما يكون غير متوقع وقصير الأجل، إلى جانب مشكلات هيكلية أخرى، أدى إلى أوجه قصور وتداخلات وفجوات داخل الأمم المتحدة. لذلك كان الإصلاح ضرورياً». لكنه أضاف أن سحب هذه النسبة الهائلة من ميزانيات هذه الوكالات الإنسانية وغيرها من الوكالات المنقذة للحياة بشكل مفاجئ، كانت له عواقب وخيمة على ملايين الأشخاص.
وتحاول وكالات الأمم المتحدة تعزيز الكفاءة وإنجاز المزيد بموارد أقل بطرق مختلفة، من مشاركة الخدمات اللوجستية إلى خفض أعداد الموظفين ودمج بعض الوكالات.
وتقول تشاليس ماكدونو، مستشارة التنمية الدولية والعاملة السابقة في مجال المساعدات بالأمم المتحدة، إن وجود أنظمة صارمة لإعداد التقارير تضمن المساءلة والشفافية يمثل نوعاً من البيروقراطية الضرورية، لكنه قد يبدو للوهلة الأولى كأنه إهدار للموارد. وتضيف أن هناك الكثير من الضوابط الوقائية لمنع الاحتيال وإساءة استخدام الأموال، ولا يمكن التضحية بذلك.
وأوضح لوينبيرغ أن من بين أبرز البنود المطروحة على جدول أعمال الجمعية العامة تغير المناخ، والحروب المستمرة، والجوع، والأوبئة، وتصاعد المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي، وهي كلها قضايا تتطلب نهجاً متعدد الأطراف. ويقول، إن العالم مترابط، والتظاهر بغير ذلك أمر عبثي واستراتيجية خاسرة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
*صحفية أميركية متخصصة في الشؤون الإنسانية