بعد مضي أكثر من سبعة أشهر على «حرب المضيق»، تنتقل أميركا إلى مرحلة التضييق الاقتصادي على إيران، نظراً لارتفاع فاتورة الحرب المباشرة التي وصلت حتى اللحظة الراهنة إلى 38 مليار دولارر!
وتريد أميركا أن تضع هذه التكاليف على ظهر إيران باستخدام سلاح الاقتصاد بدل القنابل والصواريخ التي بدأ مخزونها الإستراتيجي في العد التنازلي، إذا أضفنا إلى ذلك تكلفة الحرب الروسية - الأوكرانية العالية التي تجاوزت الخمس سنوات حتى الآن. ضغوط أميركية متواصلة هدفها تضييق الخيارات على النظام الإيراني، بحيث يتجه بسرعة نحو التفاوض والتخلي عن برنامجه النووي وفتح خطوط الملاحة بمضيق هرمز. وبناء عليه صرحت وزارة الخزانة الأميركية بأنها ستعقد اجتماعات مع مؤسسات مالية عالمية لدفع عملية «إقصاء إيران الاقتصادي» قدماً. وهو ما يفهم من حديث نائب الرئيس الأميركي بأن الحرب ضد إيران ستدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال الشهرين القادمين.
ويأتي «النفط» في المرتبة الأولى في مواجهة إيران، لأنه المصدر الرئيسي لتمويل الاقتصاد الإيراني. هذا وقد أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد تبقى في إيران و«تحتفظ بالنفط»، على غرار مساعيها للسيطرة على جزء من احتياطيات فنزويلا النفطية. ومن ناحية أخرى مصادر إيرانية رفيعة المستوى تؤكد أن حملة الولايات المتحدة لخنق الاقتصاد الإيراني «أصبحت أكثر صعوبة في تحمّلها» ومصادر أخرى تقول بأن الحملة الأميركية الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر تقييد صادرات النفط ووقف التهرب من العقوبات أصبحت أشد وطأة على طهران، ما يعني أن هذه العقوبات مختلفة عن سابقاتها وستؤدي إلى ضرر مالي مباشر يطال مداخيل النظام الإيراني. ترى أين يظهر أثر هذا «الخنق» الاقتصادي؟ أولاً على العملة التي يصعب تجاهلها، لأن جميع أفراد الشعب يشعر بحرارة سياطها على ظهره! الريال الإيراني يتراجع إلى مستوى قياسي منخفض، حيث تجاوز سعر صرفه 2.2 مليون ريال للدولار الواحد.
الذراع الأخرى للاقتصاد تمتد إلى المصارف والبنوك التي تغرس في كل العملات أعمدتها وركيزتها في الاستثمار. ويقول وزير الخزانة الأميركي: نخطط للكشف عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك، ويضيف أن هدف العقوبات على إيران تهيئة الظروف التي تدفعها نحو الجلوس إلى طاولة المفاوضات. يقول ترامب: إن الولايات المتحدة لا تجري محادثات مع إيران وتركز على معاقبتها اقتصادياً، وتعهد بمعاقبة الدول التي تربطها علاقات تجارية مع إيران. وبما أنه لا يمكن فصل الاقتصاد العالمي عما يجري في مضيق هرمز، فإن صندوق النقد الدولي يؤكد مرونة الاقتصاد العالمي، وأفاد بتجاوزه صدمة الطاقة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط بصورة أفضل من المتوقع، مع بقاء الناتج العالمي على مسار نمو يقارب 3% في 2026، مقابل 3.5% خلال 2024 و2025.
وأكد الصندوق أن أسعار النفط والغاز لا تزال مرتفعة، وأن صدمة الطاقة لم تنتهِ، كما أشار إلى توقف مسار خفض التضخم وارتفاع توقعات التضخم العالمية، مع بقائها مستقرة على المدى الطويل. وبدا واضحاً أن إصرار إيران على إطالة أمد الأزمة يسفر عن خسائر اقتصادية لا تتوقف تداعياتها عند منطقة الشرق الأوسط، بل تمتد إلى العالم كله، عبر تضخم الأسعار جراء اضطراب سلاسل التوريد.
وقد وصف وزير الخارجية الأميركي استغلال المضائق البحرية بأنه يعادل سلاحاً نووياً اقتصادياً يحاول الإيرانيون استخدامه ضد العالم، وهم يتباهون بذلك. وعلى هذا الأساس وزير الخزانة الأميركي أعلن عن إطلاق عملية «المنبوذ الاقتصادي» وهي تهدف إلى قطع مصادر دخل النظام الإيراني. وهي عملية تهدف لفرض حصار اقتصادي أكثر قوة، ومن بين أحدث تفاصيل هذه العملية فرض عقوبات على 36 كياناً وفرداً في مناطق اختصاص قضائي متعددة لقيامهم بدعم قطاع الطيران الإيراني، وهو القطاع الذي ترى الولايات المتحدة الأميركية أنه قد مكّن النظام في طهران من دعم انتشار الأسلحة والإرهاب في جميع أنحاء العالم.
*كاتب إماراتي