هذا ليس مقالاً رياضياً بحتاً، بقدر ما هو مقالٌ مجتمعيٌّ رياضي، يتحدث عن بطولة استطاعت أن تتجاوز حدود الملاعب لتسكن البيوت والذاكرة والوجدان الخليجي. فهناك بطولاتٌ نتابعها لأنَّنا نحب كرة القدم، وهناك بطولاتٌ ننتظرها لأن شيئاً منها يسكن فينا.
وكأس الخليج العربي واحدة من هذه البطولات، التي أصبحت موعداً عائلياً واجتماعياً، قبل أن تكون منافسة على كأس! وبداية من 23 سبتمبر وحتى 6 أكتوبر 2026، تعود الحكاية مع خليجي 27 في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، بمشاركة ثمانية منتخبات خليجية، لتعود معها الأعلام والأهازيج والتوقعات، وتلك المنافسات الجميلة التي تبدأ في الملعب وتمتد إلى المجالس والبيوت.
بدأت قصة كأس الخليج في البحرين عام 1970 بأربعة منتخبات، وتُوجت الكويت بالنسخة الأولى. ومنذ ذلك الحين، كبرت البطولة حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الخليجية المشتركة، تنتقل من الملعب إلى المجلس، ومن المدرج إلى البيت، ومن الشاشة إلى الذاكرة. وللإمارات في هذه الحكاية حضورٌ يبعث على الفخر، فمنذ مشاركة الأبيض الإماراتي في النسخة الثانية عام 1972، أصبح جزءاً أصيلاً من تاريخ البطولة. وجاءت اللحظة التي لا تُنسى عام 2007، عندما احتضنت الإماراتُ «خليجي 18» وتُوج الأبيض الإماراتي بلقبه الخليجي الأول وسط فرحة وطنية استثنائية، قبل أن يعود من البحرين عام 2013 بالكأس الثانية.
ولم تكن هذه الإنجازات مجرد ألقاب، بل لحظات وطنية صنعت ذكريات أجيال، ورسّخت مكانة الإمارات في تاريخ «الخليجي». وهنا يكمن سر البطولة، يكفي أن تقول في بيتٍ خليجي «الخليجي بدأ!» أو «كأس الخليج بدأ!»، حتى تتغيّر تفاصيل المساء، ويصبح لكل فرد في الأسرة رأي في المنتخب والتشكيلة والنتيجة.
وحتى مَن لا يتابع كرة القدم يجد نفسَه فجأةً مشجعاً ومحللًا، ينتظر الهدفَ وكأنه جزء من المباراة. وللأسرة الإماراتية تحديداً ذكرياتٌ جميلة مع هذه البطولة، فقد عاشت أجيالٌ مِن خلف الشاشات لحظاتٍ صنعتها أسماءٌ كبيرة في تاريخ «الأبيض»، أمثال عدنان الطلياني وزهير بخيت وغيرهما من نجوم الإمارات الذين ارتبط حضورُهم بمرحلة ذهبية من ذاكرة الكرة الإماراتية والخليجية.
كانت الأسرة تلتف حول التلفاز، ويعلو صوتُها مع كل هجمة، وتنتظر هدفاً أو لمسةً مِن نجمٍ تحبه، فيفرح الصغيرُ قبل الكبير، وتنتقل الحماسةُ في اليوم التالي إلى المدارس والمجالس وأماكن العمل. ثم جاءت أجيالٌ أخرى حملت الرايةَ، حتى عاش الإماراتيون فرحةَ التتويج الأولى على أرض الوطن عام 2007، ثم فرحة اللقب الثاني عام 2013 لتصبح كأس الخليج جزءاً من الذاكرة الوطنية، تتوارث حكاياتِها الأجيالُ كما تتوارث صورَ الفرح والانتماء.
وقد لا تكون كأس الخليج بطولةً عالمية ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، ولا بطولةً مدرجة تحت مظلته كإحدى بطولاته الرسمية، إلا أن ذلك لم ينتقص يوماً من قيمتها لدى أهل الخليج، إذ صنعت مكانتَها بنفسها على مدى أكثر من نصف قرن، فبعض البطولات تمنحها المؤسساتُ مكانتَها، وأخرى يمنحها الناسُ مكانتَها.. وكأس الخليج منحها أهلُ الخليج مكانةً في قلوبهم قبل أن يمنحوها مكاناً في مدرجاتهم. ولهذا، فإن «الخليجي» ليست كأساً يتنافس عليها اللاعبون فحسب، بل ذاكرةٌ تتوارثها الأسرُ، وفرحةٌ تنتقل من جيل إلى جيل، وحكايةٌ خليجية تبدأ من المستطيل الأخضر، لكنها لا تنتهي عند صافرة الحكم. وفي جدة، ستعود الأعلام والأهازيج والذكريات. ومع أول صافرة سنستعيد ذلك الإيقاع الخليجي المحبب: هيدو.. هيدو..! و«خليجنا واحد، وشعبنا واحد»!
كل التوفيق لمنتخبات الخليج، ولتكن بطولة تجمع القلوبَ قبل المنتخبات.. أما نحن أبناء الإمارات، فدعاؤنا يرافق أبيضَنا إلى جدة، وكلنا أمل في أن يكتب فصلاً جديداً من المجد الإماراتي في هذه البطولة العزيزة. اللهم وفّق أبيضَنا، وسدّد خُطاه، واكتب له المجد في خليجي 27، ونأمل أن يكون الحظ حليفنا.
*كاتبة إماراتية