خلافاً لطلب الرئيس دونالد ترامب بخفض سعر الفائدة إلى واحد في المئة، قرر الاحتياطي الفيدرالي، في 16 سبتمبر الجاري، رفع السعر إلى نطاق بين 3.75 و4 في المئة بتصويت جميع أعضاء لجنة السوق المفتوحة الاثني عشر، وهي أول زيادة منذ ثلاث سنوات، ويرتقب أن تتبعها زيادة ثانية مماثلة قبل نهاية العام الحالي، وذلك لمواجهة ارتفاع التضخم الذي سجل 3.7 في المئة وفق «مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي»، وهو رقم كبير مقارنةً بالرقم المستهدف وهو 2 في المئة. ولم يطلب ترامب من رئيس الفيدرالي، كيفين وارش، عدمَ التصويت مع القرار، لأن ذلك «لن يغيّر شيئاً» بسبب إجماع التصويت بالموافقة. لكنه جدد مطالبتَه بخفض الفائدة. وعلى رغم معارضته العلنية لرفعها، فقد أكد بأنه لا زال يقف إلى جانب وارش. وإذا كان طلبُ ترامب يمثل تدخلاً سياسياً للتأثير على عمل الفيدرالي، فإن القرار الذي اتخذته اللجنة، جاء في إطار تنفيذ السياسة النقدية التي تستند إلى تقييم التضخم والنشاط الاقتصادي، وفق تأكيد وارش، الذي أشار إلى أن «استقلالية الفيديرالي تعني أن نبقى في مسارنا المهني». وقد قدّم في الوقت نفسه نصيحةً إلى الجهات المسؤولة عن السياسة التجارية والمالية بأن «تبقى في نطاق اختصاصها هي أيضاً». 
 وهكذا، أسس وارش قرار رفع الفائدة بالكامل على البيانات الاقتصادية الكلية، مجرِّداً إياه مِن أي أبعاد سياسية محتملة، ومشدِّداً على أن التضخم المحلي ظل مرتفعاً لفترة أطول مما ينبغي، وهي ضغوط تفاقمت مؤخراً بسبب صدمات أسواق الطاقة العالمية الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط. وعندما ضغطت عليه وسائل الإعلام بشأن مطالب ترامب بخفض الفائدة، رفض وارش الانجرار إلى أي احتكاك سياسي. والسؤال المطروح هنا: لماذا يحتاج الفيديرالي إلى الاستقلالية؟ 
 والواقع أن الاستقلالية لا تعني أن الاحتياطي الفيدرالي يعمل خارج النظام السياسي الأميركي أو من دون رقابة. فالكونغرس هو الذي حدد أهداف السياسة النقدية، وفي مقدمتها تحقيق أقصى قدر من الوظائف واستقرار الأسعار، كما وضع إطاراً يمنح الفيديراليَّ استقلاليةً تشغيليةً في تنفيذ السياسة النقدية، مقابل الشفافية والمساءلة أمام الكونغرس والرأي العام. 
كما أن أعضاء مجلس المحافظين يعيَّنون لفترات طويلة ومتداخلة، بينما لا يَسمح الإطارُ المؤسسي بأن يكون المسؤولون المنتخبون وأعضاء الإدارة التنفيذية أعضاءَ في مجلس المحافظين. والهدف من ذلك هو منع تَحوّل السياسة النقدية إلى أداة مرتبطة بالدورات الانتخابية. ذلك أن السياسي يميل بصورة طبيعية إلى سياسات تعزز النمو وتخفض كلفةَ الاقتراض وتدعم الأسواقَ قبل الانتخابات. أما البنك المركزي فعليه أن ينظر إلى الاقتصاد من زاوية مختلفة: ما مستوى الفائدة الذي يحافظ على استقرار الأسعار ويوازن بين التضخم والتوظيف؟لا شك في أن خفض أسعار الفائدة له مزايا اقتصادية واضحة عندما يكون الاقتصاد بحاجة إلى التحفيز.. فالفائدة الأقل تعني في العادة كلفةَ تمويل أقل للشركات والأسر، وتحفيزاً للاستثمار والاستهلاك، ودعماً لأسواق العقارات والأسهم والائتمان. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم خفض الفائدة في اقتصاد لا يزال يعاني من تضخم مرتفع، عندها يمكن أن يؤدي الطلب الإضافي إلى إعادة إشعال الضغوط السعرية. والأخطر أن الأسواق لا تنظر فقط إلى قرار الفائدة الحالي، بل إلى مصداقية البنك المركزي. 

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية