لا تستطيع الولايات المتحدة ولا الصين إخضاع الطرف الآخر لإرادتها، وقد حان الوقت للتوصل إلى تهدئة مستدامة في علاقاتهما.فقد أثبتت الولايات المتحدة والصين العام الماضي قدرتهما على إلحاق أضرار جسيمة ببعضهما بعضاً. فقد فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية وقيوداً تكنولوجية، وردت الصين بتقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة وغيرها من المواد الضرورية للصناعة الأميركية. وشعرت المصانع والمستهلكون على جانبي المحيط الهادئ بالآثار، لكن أياً من البلدين لم يتمكن من إجبار الآخر على التراجع، وانتهت المواجهة في أكتوبر الماضي بهدنة لمدة عام.
ومع اقتراب انتهاء الهدنة، يفتح اجتماع الرئيس ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، فصلاً جديداً قد يكون حاسماً في العلاقات بين البلدين. ويمثل اللقاء فرصة لاستيعاب دروس العام الماضي والبدء في بناء تهدئة مستدامة، من خلال التخلي عن وهم قدرة أي طرف على تحقيق «انتصار» حاسم.
وتدرك بكين وواشنطن الآن أن كلاً منهما يمتلك مزايا يصعب على الطرف الآخر مضاهاتها. فأميركا تتمتع بقوة مالية لا نظير لها، وتتقدم في تصميم أشباه الموصلات، وتصنيع معدات إنتاج الرقائق، وأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي. أما الصين فهي أكبر مُصدر في العالم، وتسيطر على الإمدادات العالمية من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية وإنتاج المغناطيسات عالية القوة الضرورية للإلكترونيات المتقدمة والسيارات والأسلحة. كما تعتمد صناعة الأدوية الأميركية على مواد كيميائية ومكونات صينية. وفي الذكاء الاصطناعي، تقدمت الصين في توفير نماذج مفتوحة الأوزان منخفضة التكلفة، يجري تبنيها سريعاً حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وقد يكون بناء تهدئة دائمة بين البلدين له أهمية تاريخية تضاهي التعايش بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة. فقد دفع سباق التسلح النووي واحتمال الدمار المتبادل المؤكد واشنطن وموسكو إلى الابتعاد عن حافة الهاوية. وينطبق منطق الردع نفسه اليوم، لكن مع فارق مهم، فقد كانت التجارة الأميركية السوفييتية محدودة، بينما يرتبط الاقتصادان الصيني والأميركي باعتماد متبادل عميق.
ورغم أن المواجهة التجارية خفضت التجارة الثنائية العام الماضي بنسبة 25%، ظلت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لأميركا بعد المكسيك وكندا. ولا يبدو الفصل الكامل بين الاقتصادين ممكناً أو مرغوباً فيه، كما أن استخدام نقطة اختناق واحدة كسلاح يفتح الباب لرد انتقامي عبر نقطة أخرى. وهكذا يواجه البلدان نسخة اقتصادية من ردع الحرب الباردة: تعطيل اقتصادي متبادل مؤكد. وهذا هو جوهر التهدئة، الذي يكمن في إدراك أن استمرار التصعيد سيكون باهظ التكلفة.
ولا يخدم السعي إلى انتصار اقتصادي واستراتيجي حاسم مصالح الطرفين ولا مصالح المواطنين الذين يتحملون تكاليف الاضطراب. فقد بدأ كثير من الأميركيين والصينيين يضيقون بالمواجهة. وتشير بعض الاستطلاعات إلى أن الشباب الأميركي يفضل التعاون مع الصين على مواجهتها. وفي الصين أيضاً، يتزايد من يبتعدون عن سباق المنافسة المحموم، بدلاً من استنزاف أنفسهم في اقتصاد يرونه موجهاً لتعزيز القوة الوطنية ومواجهة الولايات المتحدة، لا تلبية احتياجاتهم.
ويتطلع شي إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العام المقبل، الذي يعقد كل خمس سنوات لتحديد قيادة الحزب واتجاهه، ويريد الهدوء مع اقتراب هذه اللحظة الحساسة. وفي ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، يسعى ترامب إلى صفقات زراعية مع الصين يمكن تقديمها باعتبارها مكاسب للمزارعين الأميركيين.
المهم أن يدرك الطرفان أن المطالب والتهديدات القصوى لا تخدم مصالح أي منهما، وأن يبدآ في بناء أسس مستقبل أكثر استقراراً. فعلى واشنطن أن تفهم أن الصين تسعى إلى نفوذ عالمي أكبر وتقليل تعرضها للضغط الأجنبي، وليس إلى شل أحد أكبر شركائها التجاريين. وعلى بكين أن تدرك أن استخدام هيمنتها على المعادن الحيوية كسلاح يُسرع جهود أميركا لتنويع سلاسل إمداداتها، ويقلل النفوذ الصيني ويعمق المخاوف الأميركية من نوايا بكين.
وتتجاوز أهمية التهدئة تجنب الاضطراب الحالي إلى توسيع المجال أمام علاقة أكثر استقراراً يمكن أن تخلق اتصالات منتظمة وإدارة أسهل للأزمات، وتعاون طويل الأمد في قضايا مثل الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ والصحة العالمية، وهي تحديات لا يستطيع أي من البلدين حلها منفرداً.ولا يتطلب ذلك ثقة متبادلة، بل يتطلب الحكمة وضبط النفس لمنع المنافسة من ابتلاع بقية العلاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
مديرة «معهد أميركا والصين ومستقبل الشؤون العالمية» بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.