في محطة دولية بالغة الأهمية، حمل ولي العهد الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ممثلاً أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، رسالة دولة الكويت إلى العالم من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بمدينة نيويورك، في خطاب اتسم بوضوح الرؤية وصراحة الموقف حيال القضايا الإقليمية والدولية. وقد جاء خطاب الشيخ صباح خالد الحمد الصباح في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم تحديات أمنية وسياسية متشابكة، ما منح الكلمة الكويتية أهميةً خاصة على مستوى التوقيت والمضمون.
وتستحق كلمة ولي عهد الكويت الإشادة والتقدير، لما حملته من رسائل واضحة عكست ثوابت السياسة الكويتية، وأكدت أن دولة الكويت تنطلق في مواقفها من احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومن إيمان راسخ بأن الحوار والدبلوماسية يمثلان الطريق الأجدى لمعالجة الأزمات وحماية الأمن والاستقرار. ولم يكتف الخطابُ بتوصيف الأوضاع، وإنما تناول جذورَ عدد من الأزمات وتداعياتها، ووضع أمام المجتمع الدولي صورة متكاملة عن التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة. وقد تحدث بوضوح عن الاعتداءات التي تعرضت لها دولة الكويت ودول أخرى، رغم عدم كونها طرفاً في النزاعات القائمة، موضحاً ما خلفته هذه الاعتداءات من آثار طالت المدنيين ومنشآت البنية التحتية والاقتصاد وأمن الملاحة. ونقل الخطاب هذه الوقائع إلى المجتمع الدولي بوصفها قضية تتصل مباشرة بمبادئ السيادة وسلامة الدول واحترام القانون الدولي، وهو ما يمنح الموقفَ الكويتي بعداً يتجاوز حدود الجغرافيا إلى الدفاع عن منظومة دولية ينبغي أن تقوم على قواعد واضحة وملزمة. كما سلطت الكلمةُ الضوءَ على الأبعاد الأوسع للأزمات الأمنية، خصوصاً انعكاساتها على حركة التجارة العالمية والطاقة والممرات البحرية، في تأكيد على أن أمن الخليج العربي ليس شأناً إقليمياً محضاً، وإنما يرتبط مباشرةً بالاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق وسلامة الملاحة الدولية.
وفي الوقت ذاته، عكست كلمةُ الكويت توازناً لافتاً بين الحزم في الدفاع عن الحقوق والسيادة، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية، وأكدت دعمَها الجهودَ الرامية إلى التهدئة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، ودعت إلى بناء تفاهمات إقليمية مستدامة تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول. وهذا التوازن يمثل امتداداً لنهج كويتي يقوم على الجمع بين حماية المصالح الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي.
ولم تغفل الكلمةُ القضايا العربية الأساسية، من فلسطين واليمن وسوريا ولبنان إلى السودان والصومال وليبيا، مؤكدةً أهميةَ الحلول السياسية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. كما تناول العلاقاتِ الكويتيةَ العراقيةَ وما يرتبط بها من ملفات ومسائل قانونية وأمنية، في إطار الحرص على تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز الاستقرار المشترك. وتزداد قيمة الخطاب من خلال ربطه بين الأمن والتنمية، والتأكيد على الدور الإنساني والتنموي للكويت، إلى جانب تناول مسيرة الدولة في تنفيذ رؤيتها التنموية وتنويع الاقتصاد والتحول الرقمي وتمكين الشباب والمرأة وتعزيز الحوكمة.
وبهذا مثلت كلمةُ الكويت أمام الأمم المتحدة وثيقةً سياسيةً مهمةً تسجل الموقف الكويتي في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة، حيث وضعت النقاط على الحروف في قضايا عديدة، وأوصلت صوت الكويت بوضوح إلى المجتمع الدولي، وشرحت ما تعرضت له المنطقة من تداعيات وآثار، مع التأكيد على أن الكويت ستظل متمسكةً بالحكمة والحوار والقانون الدولي. ومن هنا تأتي القيمة التاريخية لهذه الكلمة، فهي تسجل موقف الكويت في مرحلة مفصلية، وتقدم للأجيال المقبلة صورةً واضحة للرؤية الكويتية للأحداث والتعامل معها. وهو ما يوضح أن الدبلوماسية الكويتية قادرة على إيصال رسالتها بثقة ووضوح، والدفاع عن مصالح الوطن والمنطقة، والمساهمة في دعم الأمن والسلام والاستقرار الإقليمي والدولي.
*كاتب كويتي