هل يمكن أن تصبح كندا العضو الثامن والعشرين في الاتحاد الأوروبي، وتحل بذلك محل المملكة المتحدة التي انسحبت منه في عام 2020؟ هذا الافتراض مستحيل من الناحية القانونية على اعتبار أن كندا لا تقع في القارة الأوروبية، وهو شرط أساسي من أجل الانضمام إلى التكتل الأوروبي. ومع ذلك، فإن التقارب السياسي والجيوسياسي والاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وكندا يظل مذهلاً في الحقيقة.
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حضر خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي في 16 سبتمبر، وهو الخطاب الذي يراد له أن يكون المعادل الأوروبي لخطاب «حالة الاتحاد» التقليدي الذي يلقيه رئيس الولايات المتحدة كل عام في شهر يناير، ويحظى بمتابعة أكبر بكثير. وفي اليوم التالي، ألقى كارني كلمة أمام البرلمان الأوروبي قوبلت بتصفيق حار من قبل الحضور.
وبعد 48 ساعة على الخطاب، استقبله الرئيس إيمانويل ماكرون في إقليم سان بيير وميكلون الفرنسي، الواقع قبالة سواحل كندا، حيث أبانا عن غير قليل من التوافق والتضامن بينهما، ودعا رئيس الوزراء الكندي إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي وكندا في أقرب وقت ممكن.
فكيف يمكن تفسير هذا التقارب الأوروبي الكندي؟ الواقع أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الذي يلعب دور المحفز والمضخم لهذه الظاهرة. فكندا غالباً ما يُنظر إليها على أنها دولة أوروبية تقع في القارة الأميركية، نظراً لأنها تشترك مع الدول الأوروبية في القيم نفسها، والأسس الحضارية نفسها، والالتزام نفسه بالتعددية والقانون الدولي. كما أنها تفتقر إلى القدرة على أن تكون قوة عالمية مهيمنة مثل الولايات المتحدة. وفضلاً عن ذلك، توجد وشائج قوية تربط كندا بالمملكة المتحدة وفرنسا. وهذا التقارب يستند إلى روابط استعمارية قديمة تم حلها بطريقة يطبعها التناغم والتفاهم وتخلو من الصراع.
وتعد كندا والدول الأوروبية حلفاء للولايات المتحدة ضمن الحلف الأطلسي، وكلاهما يشعر بالحيرة إزاء موقف ترامب تجاه شركاء واشنطن التقليديين. فبالنسبة للرئيس الأميركي، يمثل الحلف مصدراً للالتزامات التلقائية التي يرغب في التخلص منها لأنه يرى أنها تعوق سيادة بلاده. ومن ناحية أخرى، أبدى ترامب بشكل صريح رغبته في ضم كندا وكذلك غرينلاند، التي تتبع للدنمارك، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وفي خريطة نشرها مؤخراً، ظهرت الأقاليم الفرنسية في منطقة البحر الكاريبي وسان بيير وميكلون أيضاً على أنها تابعة للولايات المتحدة.
كل هذه الهجمات القادمة من واشنطن تؤكد وجاهة الفكرة التي تقول بضرورة تشكيل جبهة مشتركة لمقاومة حليف قد يتحول إلى مصدر خطر.
في 20 يناير الماضي، ألقى كارني خطاباً لافتاً في قمة دافوس دعا فيه إلى تحالف القوى المتوسطة من أجل مقاومة القوى الإمبريالية، بل إنه أبان عن قدر أكبر من الحزم مقارنة بالأوروبيين. فقد وافق هؤلاء على اتفاق تجاري غير متكافئ لا تُفرض فيه رسوم جمركية على الصادرات الأميركية إلى القارة الأوروبية، في حين تخضع الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة لرسوم جمركية بنسبة 15 في المئة. وعلى النقيض من ذلك، عندما قرر ترامب فرض ضريبة بنسبة 50 في المئة على المنتجات الكندية، أعلن كارني أنه سيفعل الشيء نفسه في حق المنتجات الأميركية.
وهذا تصرف شجاع للغاية من جانبه وخاصة بالنظر إلى أن الاقتصاد الكندي يعتمد بشكل كبير على السوق الأميركية التي تستقبل 75 في المئة من الصادرات الكندية. وإذ يواصل كارني العمل على تنويع اقتصاد بلاده، فإنه نجح في خفض هذه النسبة إلى 70 في المئة. ومن خلال تشكيلها جبهة موحدة، تأمل كندا والدول الأوروبية في أن تتمكن من زيادة نفوذها إزاء واشنطن.
غير أن هذا لم يمنع ترامب من أن يعلن الأسبوع الماضي بسط سيطرة كاملة على غرينلاند. وهي طريقة غريبة جداً في عرض الأمور. ذلك أن الولايات المتحدة كانت تمتلك منذ مدة قواعد عسكرية في هذه المنطقة، كما أن الاتفاق الموقع لا يزال يعترف بالسيادة الكاملة للدنمارك على هذا الإقليم. وينص هذا الاتفاق على أنه لن تكون هناك أي قواعد عسكرية روسية أو صينية في غرينلاند، وهو على كل حال أمر مستبعد بالنسبة لكوبنهاغن.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس