في مارس الماضي، بدأت أجهزة استشعار على الأقمار الصناعية رصد موجة هائلة تتحرك شرقاً على طول خط الاستواء تحت سطح المحيط الهادئ. ومع اقترابها من سواحل أميركا الجنوبية، رفعت الموجة منسوب مياه البحر ودرجة حرارتها، وسخّنت الهواء فوقها وزادت رطوبته. وتشكّلت عواصف رعدية شاهقة أحدثت تموّجات واسعة في الغلاف الجوي، سرعان ما انتشرت حول العالم وبدأت تغيّر درجات الحرارة وهطول الأمطار وحركة أنظمة العواصف.
ومنذ ذلك الحين، أدّت ظاهرة «النينيو» الناجمة عن هذه الموجة إلى رفع درجة حرارة جزء من المحيط الهادئ الاستوائي الأوسط والشرقي بأكثر من 3 درجات مئوية فوق المتوسط. وتشير التوقعات إلى احتمال يتجاوز 80% بأن تظل تلك الظاهرة المناخية الطبيعية، التي تحدث كل بضع سنوات، قوية للغاية حتى نهاية العام، وربما تصبح الأقوى في السّجلات المناخية.
ويتنبأ أكثر من 20 نموذجاً مناخياً تابعاً لهيئات حول العالم بظروف «النينيو»، وغالباً ما تختلف فيما بينها. لكن هذه النماذج تتوافق العام الحالي بدرجة غير مسبوقة على استمرار ظروف «النينيو» حتى نهاية 2026. ويعني ذلك المستوى المرتفع من اليقين أن كثيراً من الآثار المتوقعة مرجّح حدوثها بشدة، ومنها الأمطار الغزيرة في بعض المناطق، والجفاف وحرائق الغابات في مناطق أخرى، وتفاقم الاحتباس الحراري العالمي. كما يمنح هذا الوضوح الحكومات والشركات والمجتمعات فرصة نادرة للاستعداد.وتشير تجارب «النينيو» السابقة إلى أن جنوب أفريقيا والهند قد تواجهان انخفاضاً في الأمطار وجفافاً يضغط على إمدادات الغذاء ويعطّل توليد الطاقة الكهرومائية. وقد أدّت الظروف الجافة في إندونيسيا بالفعل إلى حرائق غابات، ومن المرجّح استمرار الخطر. كما قد يكون صيف 2027 شديد الحرارة في نصف الكرة الجنوبي، مع ارتفاع احتمال موجات الحر في أستراليا وأجزاء من البرازيل.وفي المقابل، قد تشهد مناطق مثل كينيا وشرق الصين وجنوب الولايات المتحدة أمطاراً تفوق المعدلات المعتادة. وتتوقع التنبؤات الحالية احتمالاً يتجاوز 70% لهطول أمطار أعلى من الطبيعي في أجزاء من جنوب شرق الولايات المتحدة بين أكتوبر وديسمبر، ما يزيد خطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.
وترتبط ظاهرة «النينيو» أيضاً بارتفاع درجات حرارة سطح الأرض. فالمحيطات تغطي 70% من سطح الكوكب، وتمتص قدراً كبيراً من الطاقة التي تحتجزها غازات الاحتباس الحراري، ما يؤدي إلى ارتفاع حرارتها. وتتيح «النينيو» إطلاق جزء من تلك الطاقة مجدداً إلى الغلاف الجوي.
وقد اقترنت أحداث «النينيو» الكبرى الثلاثة الأخيرة في الأعوام 1997 و2015 و2023 بزيادات ملحوظة في درجات حرارة السطح. فقد كان كل عام منها هو الأكثر حرارة على الإطلاق في ذلك الوقت، وظلت درجات الحرارة مرتفعة في السنوات التي تلتها، بل إن الأعوام اللاحقة كانت أكثر حرارة حتى من تلك المستويات القياسية السابقة.
وتؤدي هذه الحرارة المرتفعة إلى مزيد من الطقس المتطرف، مثل موجات حر أكثر شيوعاً وشدة، وفرص أكبر للجفاف وحرائق الغابات، ونشاط أقوى للعواصف، ما ينتج أمطاراً أغزر وأكثر تكراراً. ويتأثر الكوكب بأكمله، حيث قد يكون الطقس في 2027 قاسياً في مناطق كثيرة.
وستؤثّر التغيرات الناجمة عن «النينيو الفائقة» في الزراعة والطاقة وأمن المياه والنظم البيئية وسلاسل الإمداد والقطاع المالي والسفر والصحة. ولذلك ينبغي للحكومات والشركات والمجتمعات تقييم قدرتها على الصمود أمام هذه الاضطرابات، ووضع الموارد والخطط اللازمة للاستجابة لها.
ومن المتوقع أن يكون صيف 2027 شديد الحرارة على نحو غير معتاد في نصف الكرة الشمالي. وينبغي لأنظمة الرعاية الصحية والمستشفيات الاستعداد لارتفاع حالات الإصابة بضربات الشمس وأمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الكُلى. كما يجب على الحكومات المحلية مراجعة خطط مواجهة الحر الشديد، مثل الاطمئنان على كبار السن والمرضى، وإنشاء مراكز تبريد مجتمعية، وتحذير السكان عندما يصبح الخروج خطراً. وستحتاج أيضاً إلى ضمان استمرار الكهرباء وعدم انقطاعها عن الأُسر الأكثر فقراً بسبب عدم قدرتها على السداد خلال أشد فترات الحر.
وفي غرب الولايات المتحدة وغرب البحر المتوسط وإندونيسيا ومناطق أخرى، قد تتزايد مخاطر حرائق الغابات. وقد تشمل الاستعدادات تعزيز التنسيق بين الهيئات، وزيادة تمويل فرق مكافحة الحرائق وتحسين أنظمة الإنذار، إلى جانب تشجيع أصحاب المنازل على إزالة النباتات القابلة للاشتعال أو تركيب أسطح أكثر مقاومة للحرائق.
وقد يؤدي انعدام الأمن الغذائي الإقليمي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وتخزين السلع، ورفع الأسعار وزعزعة الأسواق. وقد خصّص برنامج الأغذية العالمي بالفعل أموالاً لمناطق في أفريقيا، تحسُّباً لخسائر المحاصيل. كما نشرت كاليفورنيا أكياس الرمل والمضخات، استعداداً للفيضانات المرتبطة بـ«النينيو».ولا تُعتبر تلك التوقعات تحذيرات مجردة من احترار بعيد في المستقبل، بل تنبؤات محددة بظروف مناخية وجوية قد تكون شديدة الاضطراب خلال الأشهر الـ18 المقبلة. لكن لا يزال أمامنا وقت للاستعداد والتخطيط وتعزيز قدرة أنظمتنا على الصمود، لذا علينا أن نبدأ العمل.
- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*أستاذ ونائب أول للعميد في كلية كولومبيا للمناخ، وأستاذ علوم الصحة البيئية في كلية «ميلمان» للصحة العامة بجامعة كولومبيا.