في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من نفوذ فحسب، بل بقدرتها على توظيف هذا النفوذ وبناء العلاقات وفتح الأبواب حين تُغلق، وإيجاد مساحات مشتركة حتى في أكثر الأوقات تعقيداً. ومن هذا المنطلق يأتي خطاب دولة الإمارات العربية المتحدة أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي ألقاه معالي خليفة شاهين المرر، ليعكس نهجاً بات يُشكِّل سمة بارزة في سياستها الخارجية: الواقعية في التعامل مع العالم، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وتحويل الحضور الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة.
خطاب الإمارات لن يكون مجرد عرض لمواقفها من القضايا الدولية، بل يعكَس رؤية أوسع لمكانة الدولة في عالم تتغير فيه موازين القوة وتتداخل فيه المصالح وتتسع فيه الخلافات بين القوى الكبرى. وفي هذا المشهد اختارت أبوظبي أن توسّع خياراتها، وأن تحافظ على علاقاتها مع أطراف متنافسة، من دون أن تجعل انتماءها إلى شراكة ما سبباً لإغلاق أبواب أخرى.
فالإمارات عضو في مجموعة بريكس، وتواصل توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة، إلى جانب تمسّكها باتفاقيات متعددة. وهذه العلاقات، على اختلاف طبيعتها وأطرافها، تعكس سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وحماية المصالح الوطنية، لا على حصر الخيارات في محور واحد.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في التجربة الإماراتية. ففي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، لا تنظر الإمارات إلى تعدُّد مراكز القوة باعتباره مُعضلة ينبغي الاختيار بين أطرافها، بل واقعاً يستدعي إدارة متوازنة للعلاقات، تتيح للدولة الحفاظ على استقلالية قرارها وتوسيع قدرتها على التأثير.
وقد اكتسب هذا النّهج أهمية إضافية في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. ففي وقت تتراجع فيه قنوات الحوار، وتزداد فيه حدّة الخطاب السياسي، اختارت الإمارات أن تؤكد أهمية التواصل، حتى عندما تكون الخلافات في أوجها.
الدبلوماسية الإماراتية لا تقتصر على إدارة العلاقات السياسية أو احتواء الأزمات. فهي تتجه أيضاً إلى ملفات عملية تمسُّ حياة الناس ومستقبل المجتمعات، وفي مقدمتها أمن المياه والعمل المناخي والتكنولوجيا.
وتأتي استضافة أبوظبي مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026 في هذا السياق. فالمياه لم تَعُد قضية بيئية أو تنموية فحسب، بل أصبحت مسألة ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل المجتمعات، ولا سيما في المناطق التي تعاني شُح الموارد المائية.
ومن خلال إعطاء هذه الملفات أولوية في تحركها الدولي، تسعى الإمارات إلى توسيع نطاق التعاون في قضايا تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية. وهذا ما يمنح الدبلوماسية الإماراتية بُعداً عملياً يتجاوز حدود الخطاب. فالتأثير الدولي لا يتحقق بمجرد طرح المواقف، بل بالقدرة على جمع الأطراف حول قضايا يمكن إحراز تقدم حقيقي فيها.
وقد ظهر هذا الجانب بوضوح في جهود الوساطة التي اضطلعت بها الإمارات. فعند إلقاء الخطاب أمام الجمعية العامة، كانت هذه الجهود جزءاً من سجلٍّ دبلوماسي شمل المساهمة في عمليات تبادل آلاف الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، واستضافة محادثات سلام بين أذربيجان وأرمينيا، والعمل على خفض التوترات في مناطق مختلفة، من جنوب آسيا إلى ليبيا واليمن ومنطقة الساحل.
وتكتسب هذه الجهود أهميتها من النتائج التي يمكن أن تحققها على أرض الواقع. فالتوصل إلى اتفاق، أو إعادة فتح قناة اتصال، أو المساهمة في جمع أطراف متنازعة حول طاولة واحدة، قد يحقق ما تعجز عنه التصريحات السياسية المتكررة.
ولا يعني ذلك أن الوساطة قادرة على إنهاء كل نزاع، أو أن الحلول الدبلوماسية مضمونة النتائج. لكنه يؤكد أن امتلاك علاقات متنوعة، والقدرة على التواصل مع أطراف مختلفة، يمنحان الدولة أدوات إضافية للتعامل مع الأزمات. وقد جعلت الإمارات من هذه الأدوات جزءاً أساسياً من سياستها الخارجية.
ولا تنفصل هذه السياسة عن الدور الإنساني الذي تؤدّيه الدولة. ففي غزة، قدّمت الإمارات مساعدات إنسانية واسعة، سخّرت من أجلها موارد مالية وإمكانات لوجستية وجهوداً دبلوماسية، بهدف إيصال المساعدات المنقذة للحياة في ظل ظروف ميدانية بالغة الصعوبة. وقد رسّخت هذه الجهود مكانة الإمارات بوصفها أكبر جهة مانحة للمساعدات الإنسانية لغزة.
فالنفوذ الدولي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو قوة التحالفات، بل أيضاً بما تستطيع الدول تقديمه للإنسان في أوقات المِحن. وتكتسب المساعدات الإنسانية أهمية خاصة عندما تقترن بالقدرة على الوصول إلى المحتاجين، وتوفير الدعم بصورة مستمرة، والعمل على تخفيف معاناتهم.
ويندرج ذلك ضمن رؤية إماراتية أوسع تضع التسامح والسلام والأمن في صميم توجهاتها، وتتعامل مع التطرف وخطاب الكراهية والتحريض على الحرب باعتبارها عوامل تُهدّد استقرار المجتمعات وتزيد من احتمالات الصراع.
وفي السودان، كما في غيره من الملفات الإقليمية، تؤكد الإمارات أهمية حماية المدنيين، ودعم الاستقرار، والوصول إلى ترتيبات سياسية تتيح قيام حكم مدني بعيداً عن هيمنة الجماعات المتطرفة. وهي رؤية تنطلق من أن الأمن لا يمكن أن يستمر بالقوة وحدها، وأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى صون كرامة الإنسان، وحماية المؤسسات وتهيئة الظروف التي تسمح للمجتمعات باستعادة عافيتها.
وعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت الاستثمارات والشراكات التنموية إحدى الركائز الرئيسية للحضور الإماراتي على الساحة الدولية. وتحت القيادة الرشيدة لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أحرزت الإمارات نقلة نوعية في ترسيخ نفوذها الاقتصادي العالمي، محققةً توسعاً استراتيجياً في الأسواق العالمية، ورائدةً لمسار جديد في الشراكة المستدامة مع دول الجنوب العالمي.
وإلى جانب الاقتصاد والسياسة، تعمل الإمارات على ترسيخ حضورها في القطاعات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. ففي مجال الذكاء الاصطناعي، لم يَعُد دورها مقتصراً على تبنِّي التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها، بل يمتد إلى دعم بناء القدرات في الدول النامية، وتعزيز الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات، بما يتوافق مع القانون الدولي.
وتكتمل هذه الرؤية بالاستثمار في الإنسان، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز حضور المرأة في مختلف مجالات الحياة. فالتقدم لا يتحقق بالتكنولوجيا والاستثمار وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى مجتمعات قادرة على إطلاق طاقات أبنائها والاستفادة من إمكاناتهم.
في المحصلة، تكشف مشاركة الإمارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن فهم يتجاوز المفهوم التقليدي للقوة. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالتحالفات وحدها، كما أن النفوذ لا يُبنى بالخطابات والمواقف المعلنة فقط. إنه يتشكِّل من شبكة واسعة من العلاقات والقدرة على الوساطة والاستثمار والعمل الإنساني والمساهمة في معالجة القضايا التي تشغل العالم.
إنّ مكانة الدول في عالم اليوم لا تتحدد فقط بما تملكه من موارد أو بما تستطيع حشده من نفوذ، بل أيضاً بما تستطيع إنجازه، وبمدى حاجة الآخرين إلى دورها. ومن خلال الجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والعمل الإنساني والابتكار، تواصل الإمارات توسيع هذا الدور، وترسيخ حضورها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل النظام الدولي.
*مستشار برلماني