عندما تشاهد مسلسل «ذا تيودورز»، لا تستوقفُك مؤامرات بلاط هنري الثامن وزيجاته وإعداماته فحسب، فخلف الدراما صراعٌ أكبر: من يملكُ السلطةَ الدينية؟ من يملكُ حقَ تفسيرِ النَّصِ المقدَّس؟ وماذا يحدثُ حين يصبحُ التشكيكُ في السلطةِ الدينية القائمةِ ضرباً من الخيانة؟ أسئلةٌ تبدو معاصرةً على نحوٍ لافت. قبل خمسمئةِ عامٍ، كانت أوروبا تخوضُ جدالاً يشبه كثيراً ما نعيشه اليوم. دعاةُ الإصلاحِ يُتهمون بتقويضِ الدين، والمحافظون يخشون أن تفتحَ إعادةُ التفسير باباً لانهيار المنظومة كلِّها. آنذاك استخدم الحكامُ الدينَ لتعزيزِ سلطتِهم، وسعت المؤسساتُ الدينية إلى التأثيرِ في القرارِ السياسي. مُنعت الكتبُ، واضطُهد المفكرون، وكان الاختلاف حولَ تفسيرِ الدين قد يكلّف الإنسانَ حريتَه أو حياتَه.
تاريخياً، لم يكن انفصالُ هنري الثامن عن روما بداية العلمانية الحديثة. فهو لم يفصلْ الدينَ عن الدولة، بل نقلَ السلطةَ العليا على الكنيسة من البابا إلى التاج. لكن شيئاً أكبر كان يحدثُ في أنحاءِ أوروبا: تحدى الإصلاح الديني احتكارَ مؤسسةٍ واحدة لتفسيرِ الدين وممارسة السلطة باسمه. سرّعت الطباعةُ انتشارَ الأفكارِ المتنافسة، وأصبحت النصوصُ المقدَّسةُ متاحةً بلغات الناس، وبدأ الحكامُ يتحدون السلطة الدينية الخارجية.
دخلت أوروبا في جدال طويل، وغالباً دموي، حولَ الإيمانِ والسلطةِ والضميِر والحكم. وحرب الثلاثين عاماً وحدها، بين 1618 و1648، دمّرت مناطقَ واسعةً من وسط أوروبا قبل أن يفتح صلحُ وستفاليا الطريق أمامَ نظامٍ سياسيٍّ يتعايشُ مع تعدد المذاهب والسلطات. ولم تكتشفْ أوروبا التسامحَ لأن الأوروبيين كانوا بطبيعتهم أكثرَ تسامحاً، لكن وصلتْ إليه بعدما اختبرت النتائجَ الكارثية للتعصب. وهنا تكمُن أهميةُ المقارنة، وحدودها أيضاً: فالإسلامُ ليس المسيحيةَ، والمسجدُ ليس الكنيسةَ الأوروبية في القرن السادس عشر. والتاريخُ الإسلامي لم يعرف مؤسسة مركزية واحدة يمكن كسر احتكارها كما كُسر احتكار روما.
السلطة الدينية في عالمنا مشتتة أصلاً، بين دولٍ ومذاهبَ وتياراتٍ متعددةٍ، وهذا يجعلُ سؤالَ «من يملك الدين» أعقد مما توحي به المقارنة، لا أبسط. لا يوجد عرشٌ واحدٌ نخلع عنه القداسة كما فعل هنري الثامن بروما. ومع ذلك، لا يحتاجُ التاريخُ إلى أن يتطابقَ حتى نتعلَّم منه. هل يملكُ الدينُ حركاتٍ سياسيةً تحوّل الإيمانَ إلى أيديولوجيا للوصول إلى السلطة؟ أم حكومات تستخدم المؤسسات الدينية لإضفاء الشرعية على نفسها؟ أم أن الإيمانَ، في جوهرِهِ، علاقةٌ تتصل بضمير الفرد وقناعته؟
منذ عقود ونحن نتحدث عن «الإصلاح الديني»، لكننا كثيراً ما نختزله في تغيير خطبةٍ أو استبدالِ واعظٍ أو تعديلِ كتابٍ مدرسي. الإصلاحُ الحقيقيُّ أعمق: يبدأ بالاعترافِ بحقِ الإنسانِ في السؤال، وبأن تفسيرَ الدينِ نشاطٌ بشري لا يمكن وضعه بالكامل خارج دائرة المراجعة. وهذا يفرضُ علينا مواجهةَ سؤالٍ صعب: أين تنتهي سلطة الدين وأين تبدأ سلطة الدولة؟
فصلُ الدين عن السلطةِ السياسية لا يعني إخراجَه من المجتمع، ولا يقتضي أن يتخلى الناسُ عن إيمانِهم. المبدأُ أبسطُ من ذلك: لا ينبغي أن يتمتعَ فردٌ بحقوقٍ أكبر لأنه أكثر تديناً أو ينتمي لمذهب الأغلبية. القانونُ يحمي المسجدَ والكنيسةَ، المؤمنَ وغيرَ المؤمنِ، لأن الدولةَ لا ينبغي أن تتحوَّل أداةً في يدِ تفسيرٍ واحدٍ ضد آخر. وهذا يحمي الدينَ بقدرِ ما يحمي السياسة. فحين يصبحُ الدينُ أداةً في الصراعِ على السلطة، تتحوَّل الإخفاقاتُ السياسيةُ إلى قضايا مقدَّسة، ويتحوَّل المعارضُ إلى مهرطق. وقد رأينا في منطقتنا نتائجَ هذا الخلطِ مراراً: وعد الإسلام السياسي بأن الوصول إلى الدولة سيعيد الأخلاقَ والعدالة، لكن خلط الشرعية الدينية بالمنافسة الحزبية عمّق الانقسام، وطرح سؤالاً خطيراً: إذا كان حزبٌ يدّعي تمثيل الإسلام، فماذا يكون خصومُه؟ لا يجوز أبداً أن يتحوَّل خصومُ حزبٍ سياسي إلى خصومٍ لله.
لم تتقدم أوروبا لأن المسيحيةَ اختفت، فهي ما زالت حاضرةً بعمقٍ في هويتِها. الذي تغيّر هو طبيعةُ العلاقةِ بين الإيمانِ والسلطةِ، وقد استغرق ذلك قروناً لم تكن خطاً مستقيماً: الإصلاحُ الديني نفسُه أنتجَ اضطهاداً كما أنتجَ تحرراً، واضطهدَ الكاثوليكُ البروتستانت واضطهد البروتستانتُ الكاثوليك، وفرضت دولٌ مذاهبها بالحرب والإعدام.
يمتلك العالمُ العربي اليومَ ما لم يكن متاحاً لأوروبيي القرن السادس عشر: تجربةُ حضاراتٍ أخرى أمامنا، يمكننا قراءةُ تاريخِها. لكن المعرفةَ وحدها لا توقف الصراعَ على السلطة. من يستخدمُ الدينَ أداةً سياسيةً اليوم لا يفعل ذلك جهلاً بتاريخ أوروبا، بل لأن الأداةَ نفسها مفيدةٌ له. فالاختيارُ ليس بين الدينِ والحداثة، ولا بين الإيمانِ والعلمانية. الاختيارُ الأهم هو بين مجتمعٍ يكونُ فيه الدين مصدراً لإثراء الضمير الفردي والقيم العامة، ومجتمعٍ يتحوَّل فيه الدين إلى أداةٍ لممارسةِ السلطة على الآخرين. قبل خمسمئة عام، بدأ الأوروبيون يتصارعون حولَ هذه الأسئلة، وارتكبوا أخطاء فادحة: أحرقوا الكتبَ والبشر، وخاضوا حروباً حولَ عقائدَ لا نتخيل اليومَ أن تحسمَها الحكوماتُ بالجيوش. لكن بعد كلِّ ذلك الألم، تشكّلت فكرةُ مختلفة: يمكن لأناسٍ يختلفون جذرياً حول فهمهم لله أن يعيشوا معاً في وطنٍ واحد
. وربما يكون هذا هو الدرسَ الأهمَ الذي يمكن أن نحملَه من «ذا تيودورز» إلى واقعِنا العربي اليوم. لسنا بحاجةٍ إلى استنساخِ الإصلاحِ الديني الأوروبي. نحن بحاجةٍ إلى الشجاعة لبدء إصلاحنا الخاص. وبالتأكيد، لا ينبغي أن نحتاج إلى خمسمئة عام أخرى حتى نفهم لماذا.
* كاتب وإعلامي إماراتي