عندما ترتفع تكاليف الوقود، ترتفع أسعار كل شيء. ويبدو أن كل أسبوع يحمل معه مستوى قياسياً جديداً لأسعار الديزل، ومزيداً من المتاعب لسائقي الشاحنات في الولايات المتحدة. فمنذ يناير الماضي، ارتفع سعر الديزل بأكثر من 80% ليصل إلى 6.53 دولار للغالون. ويتم نقل الغالبية العظمى من المنتجات التي نشتريها على متن شاحنات ضخمة تعمل بالديزل.

كما يعتمد المزارعون بشكل كبير على الديزل لتشغيل آلاتهم، مما يعني أن تكلفة الديزل تدخل مرتين في حسابات السعر النهائي للمنتجات في المتاجر مرة عن طريق الزراعة وأخرى عن طريق النقل. وستنعكس تكاليف الوقود المتزايدة على أسعار مشترياتك ما لم تزدد إمدادات الديزل العالمية، ولا يبدو ذلك مرجّحاً قريباً، نظراً للصراعات الدائرة في إيران وأوكرانيا.

وتشير التقارير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس حظر صادرات الديزل. لكن ذلك لن يحل المشكلة، فرغم أن بعض المناطق، مثل الجنوب الشرقي، قد تشهد تراجعاً مؤقتاً في الأسعار، لكن الأسعار سترتفع في مناطق أخرى. وبالنسبة لأصحاب الشاحنات الصغيرة، تُهدّد المعاناة عند محطات الوقود استمرارية أعمالهم. إذ أن نحو 92% من شركات النقل بالشاحنات في أميركا شركات صغيرة، تمتلك 10 شاحنات أو أقل. وإذا فقدنا الكثير منها، سترتفع تكاليف نقل البضائع، ثم ترتفع تكاليف المستهلكين. وكان أغلب تلك الشركات يعاني بالفعل قبل الزيادة البالغة 3 دولارات للغالون في تكلفة الديزل، الذي يمثّل أكبر نفقاتها المتغيرة.

وننصح سائقي الشاحنات باختيار المسارات والوجهات التي تحقق أفضل عائد، لأن تكلفة ملء خزان الشاحنة قد تصل الآن إلى 1400 دولار. وفي كاليفورنيا، وصلت الأسعار إلى الحدّ الأقصى الذي تستطيع شاشات المضخّات عرضه، وهو 9.999 دولار للغالون. لذلك ننصح الشاحنات المتجهة من الغرب إلى الشرق بشراء ما يكفي لمغادرة كاليفورنيا فقط، ثم التزود بالوقود في نيفادا حيث يكون أرخص. لكن الشاحنات الصغيرة لا تستطيع إضافة بند منفصل في الفاتورة تحت مسمى «رسوم إضافية للوقود». وهناك مساران رئيسيان لنقل البضائع: العقود والسوق الفورية. وتشمل الشحنات المتعاقد عليها، التي تنفّذها الأساطيل الكبيرة، رسوماً إضافية للوقود تتغير أسبوعياً وترتبط بمتوسط سعر الديزل. أما السوق الفورية فتنقل البضائع العامة عبر شركات الوساطة، وتنفّذ شركات النقل الصغيرة أغلب أعمالها من خلالها.

ويتنافس سائقو الشاحنات على كل حمولة تعرضها شركات الوساطة. لكن السوق الفورية لا تعمل جيداً بالنسبة للكثير من السائقين. فقد ارتفعت أسعار النقل الفورية العام الحالي بنحو 66 سنتاً للميل، لتصل إلى 3.41 دولار للميل، بينما ارتفعت تكاليف الوقود بمقدار 90 سنتاً للميل. وبالنسبة لشركة شاحنات صغيرة، قد تتحول الرحلة بسهولة إلى صفقة خاسرة، لأنها لا تستطيع التحوط ضد تقلبات أسعار الديزل، كما تفعل الشركات الكبرى مثل «يو بي إس» وغيرها.

ومع الارتفاع الحاد لأسعار الديزل، قد يعني نقل حمولة كاملة تحقيق خسارة بعد احتساب الصيانة، وأقساط الشاحنة، والتأمين، والتسجيل والتراخيص، وتغطية العجز عن العمل. كما تواجه الشركات الصغيرة مشكلة السيولة: فهي تتفاوض على كل حمولة على حدة، لكنها ملزمة بسداد فاتورة بطاقة الوقود خلال سبعة أيام، سواء تم تحصيل أجر تلك الحمولة أم لا. ويزيد الأمر سوءاً لأن قطاع النقل بالشاحنات عاني ركوداً طويلاً في حركة الشحن في أعقاب جائحة كورونا، مما أدى إلى انخفاض الأسعار وخروج آلاف الشركات من السوق. وقد تكون القفزة الحالية في أسعار الوقود عاملاً مشابهاً يدفع المزيد منهم إلى الخروج.

ولا يحدث ذلك عادة بانهيار مفاجئ، بل بأن يوقف مالك الشاحنة شاحنته، ويترك ترخيص النقل بين الولايات ينتهي، ثم ينسحب لأن الحمولة التالية لن تغطي فواتيره. وتميل شركات الشاحنات الصغيرة سياسياً إلى الجانب اليميني، وهي تريد تخفيفاً فورياً للأعباء. وإذا واصلت أسعار الديزل الارتفاع، فسيتوجّه سائقو الشاحنات إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن استيائهم. وقد بدأوا بالفعل في نشر مقاطع فيديو من محطات الشاحنات ومحطات الوقود تظهر الارتفاع الهائل في فواتير الوقود. لقد كثُر الحديث في الولايات المتحدة عن حظر تصدير وقود الديزل، ولو مؤقتاً. إذ يجب خفض أسعار الوقود من أجل الاقتصاد بأكمله.

ومع ذلك، فإن حظر التصدير ليس بالضرورة الحل الأمثل، فنحن نعيش في سوق عالمية، أي قد يؤدي الحظر إلى رفع تكلفة الواردات. ورغم أنه قد يوفر تخفيفاً مؤقتاً في الأسعار لسائقي الشاحنات في ولايات مثل ميسيسيبي ولويزيانا القريبة من مصافي تكرير الديزل، إلا أنه سيرفع الأسعار في منطقة الشمال الشرقي التي تعتمد على استيراد الديزل. بل إنه قد يزيد الأمور سوءاً على المدى المتوسط والبعيد. وفي النهاية، يدفع الجميع ثمن استمرار ارتفاع أسعار الوقود. ومن المرجّح أن يدفع ذلك مزيداً من شركات النقل الصغيرة إلى الخروج من السوق.

فعدد أقل من الشاحنات يعني قدرة نقل أقل، وقدرة نقل أقل تعني أسعاراً أعلى تنتقل إلى الشاحن، ثم بائع التجزئة، ثم المستهلك.فكل سلعة معروضة على ذلك الرّف قد وصلت إليه عبر شاحنة، كما أن تكلفة قطع كل ميل من تلك المسافات أصبحت اليوم أعلى مما كانت عليه في أول العام الحالي.

- يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

 

* كاتب متخصص في استراتيجيات النقل