تُغير الطائرات المسيّرةُ شكلَ المعارك، وتمهّد السفن السطحية غير المأهولة الطريقَ أمام قوة مشتركة من السفن المأهولة وغير المأهولة، فيما تضيف أسلحةُ الليزر قدراتٍ جديدةً إلى الأسطول.
وتُعد التكنولوجيا موضوعاً رئيسياً عند مناقشة شؤون البحرية الأميركية التي تحتاج أفضل التقنيات عند الحروب، لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب أن تصاحبها استراتيجية تحدد نوع الحرب والقوات المطلوبة، والمخاطر التي تقبلها البلاد عندما لا تستطيع تلبية احتياجات البحرية.
على مدى عقود، لم تحافظ البحرية الأميركية على استراتيجية موثوقة تؤثر فعلياً في تخطيط القوات والبرامج والميزانية. فقد أصدرت وثائق استراتيجية، لكنها أخفقت في تحديد الأولويات وربطها بالقوات وإجراء المفاضلات اللازمة. والمفترض أن تحدد الاستراتيجية احتياجات البحرية، ثم تحدد الميزانية العامة ما تستطيع البلاد تحمله. لكن الميزانية أصبحت تتخذ القرارين معاً، وبات مسؤولو إعدادها وبرامجها واضعي الاستراتيجية الفعليين.
وكان الوضع مختلفاً في ثمانينيات القرن الماضي، عندما وفرت «الاستراتيجية البحرية» إطاراً متماسكاً للتفكير في الحرب المحتملة والأسطول اللازم لخوضها. وأسهمت في تشكيل البرامج، وتعميق التفكير الاستراتيجي والتكتيكي، وتركيز تدريبات الأسطول.. كما وفرت معياراً لتقييم الميزانية. ولا يمكن إعادة تلك الاستراتيجية نفسها اليوم، لأن الظروف التي أفرزتها انتهت، لكن يمكن استعادة الصلة بين التفكير الاستراتيجي والقرارات التي تحدد شكل البحرية.وبعد انتهاء الحرب الباردة، تراجع الدور الاستراتيجي للبحرية، وضاقت المسارات المهنية للمتخصصين فيها، وحلّ التركيز على السياسة الدولية والتعليم العسكري المشترك محل دراسة الحرب والقوة البحرية. وملأت عملية إعداد الميزانية هذا الفراغ، لكنها صُممت لتوزيع الموارد، لا لتحديد الاستراتيجية التي ينبغي أن تخدمها.
وتَظهر المشكلة في أنماط الإنفاق البحري. فقد تضاعفت ميزانيات بناء السفن نحو أربع مرات خلال عقدين، لكن الأسطول لم يشهد نمواً ملحوظاً، ولم تتحسّن قدرته على الصمود أمام الصين بما يتناسب مع ذلك. كما اتُخذت قرارات التمويل بعيداً عن الاستراتيجيين، وظهرت وثائق الاستراتيجية بعد اتخاذ قرارات التمويل. وهذا لا يعني أن البحرية حصلت على تمويل كافٍ، بل إن الأموال الإضافية لا يمكن أن تحل محل القرار الاستراتيجي السديد.
لذا لا يجب أن تقتصر الإجابة عن المزيد من الموارد، بل ينبغي أن تفرض الموارد قيوداً على الاستراتيجية، لا أن تحل محلها. فالبحرية التي تعتبر كل مهمة ضرورية وكل برنامج مستحقاً للتمويل تقدم قائمة مشتريات، لا توجيهاً استراتيجياً.
ويرجع جزء من المشكلة إلى «قانون غولدووتر-نيكولز» لعام 1986، الذي منح مسؤولياتٍ هامة لهيئة الأركان المشتركة وطواقمها الضخمة وقادة القيادات القتالية الموحّدة، لكنه حد من قدرة البحرية وسائر أفرع القوات المسلحة على تحديد المهام التي تتطلبها الاستراتيجية الوطنية والقوات اللازمة لتنفيذها. لكن العائق الأكبر هو العادات والثقافة المؤسسية.وتظهر نتائج التوسع من دون استراتيجية واضحة في خيارين رئيسيين. الأول هو التحول من القوات المأهولة إلى غير المأهولة. ولا يمكن حسم ذلك بمقارنة سعر مدمرة بسعر سفينة غير مأهولة، بل يتطلب تحديدَ كيفية خوض الأسطول للقتال، وحجم القوة التي يحتاج إليها، وما يمكنه الصمود، ومدى سرعة القاعدة الصناعية في تعويض الخسائر.
والثاني هو مقدار القوة النارية الدفاعية الذي ينبغي تحويله من الصواريخ إلى الطاقة الموجهة. فلا يمكن تقييم الليزر بمعزل عن السفينة التي تحمله، ولا السفينة بمعزل عن الأسطول، ولا الأسطول بمعزل عن الاستراتيجية التي تحدد كيفية استخدامه. وكلا الخيارين يتطلب تصوراً لكيفية تمكين الأسطول من تحقيق النصر.
وعلى كبار القادة المدنيين والعسكريين في البحرية صياغة استراتيجية متماسكة قبل اتخاذ جيل جديد من قرارات القوات، وتحديد افتراضات بشأن الخصوم الرئيسيين، ووضع نظرية لتحقيق النصر، وتحديد القوات المطلوبة وترتيب الأولويات بين المهام. ويجب أن توضح هذه الاستراتيجية ما لن تفعله البحرية، وما ستتخلى عنه من قدرات، والمخاطر التي ستقبل بها عندما تقل الموارد. وينبغي أن يكون جوهر الاستراتيجية سرياً، وأن يُحدَّث باستمرار، استناداً إلى تقييم أهداف الخصوم وقدراتهم وخيارات الردع.
وتحتاج الاستراتيجية إلى استمرارية مؤسسية ومسار مهني للضباط المتخصصين فيها. كما ينبغي للقادة التنسيق مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة لضمان التوافق بشأن المبادئ الأساسية.
ويمكن للكونغرس دعم ذلك بإلزام قادة البحرية بتوضيح أهداف القوات البحرية، وخطوط عملياتها، والقوة المطلوبة خلال السنوات الخمس المقبلة، بدل الاكتفاء بخطة بناء سفن لمدة 30 عاماً تحدد الأعداد دون توضيح أسباب الحاجة إليها أو مخاطر عدم بنائها.
إن المفاضلة بين القوات المأهولة وغير المأهولة، وبين الصواريخ وأسلحة الطاقة الموجهة، مسألة مُلحة الآن. وسيعتمد التفوق المستقبلي في البحر على قدرة الأسطول على الحفاظ على قوته النارية ومواصلة القتال، وهي قدرة تتوقف على الأسلحة والسفن والأسطول الداعم والقاعدة الصناعية والاستراتيجية التي تحدد أين تُستخدم القوات.
ويحتاج البحارة إلى الأسلحة المناسبة، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى أن تحدد البحريةُ الحرب التي يجب أن يكونوا مستعدين لخوضها، والأسطول اللازم للانتصار فيها.
جون ليمان*
*وزير البحرية الأميركية الأسبق (1981- 1987)
بينغ ويست**
**مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي الأسبق (1981- 1983)
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»