على مدرّج مطار في ولاية كارولينا الشمالية، ذكّر الرئيس دونالد ترامب الأميركيين بأن النسخة التي تفضّلها حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» («ماغا») للبلاد هي نسخة تنتمي إلى حقبة ولّت وانقضت. وجاء ذلك منذ أيام خلال تجمُّع انتخابي لدعم مايكل واتلي، المرشّح «الجمهوري» لمجلس الشيوخ، الذي يتأخر باستمرار عن المرشّح «الديمقراطي» روي كوبر، ويواجه خطر خسارة قد تكلّف الجمهوريين أغلبيتَهم البرلمانية. وبدلاً من طرح رؤية للمستقبل، اعتمد ترامب على التشدد في تطبيق القانون والنظام، واستثمار الانقسامات العرقية ضمن «استراتيجية الجنوب»، والتشابه بينها وبين إعلان ويلي هورتون، الذي عُرض للمرة الأولى قبل 38 عاماً.
وأمضى ترامب معظم الليلة في مهاجمة كوبر، الحاكم السابق، بسبب تسوية قضائية لخفض عدد نزلاء سجون الولاية خلال الجائحة. وشبّه ذلك بالإفراج المؤقّت عن هورتون، وهو رجل أسود أُدين بالقتل والاغتصاب، وأصبحت جرائمه قضية محورية في انتخابات 1988.
وتكشف العودةُ أربعة عقود إلى الوراء عن سياسة تنظر إلى الماضي أكثر مما تهتم بالمستقبل. وحتى شعار «ماغا» يستحضر الحنين الوطني الماضوي. وتظهر الكثير من الدلائل على ذلك، ففي نورث كارولاينا، راهن ترامب على تكرار عام 1988. وفي المساواة العرقية، تستحضر أجندتُه أجواءَ ما قبل حركة الحقوق المدنية، بهدف التراجع عن عقود من الحماية القانونية والدستورية. وتعكس سياسته حول الهجرة قانون الهجرة لعام 1924، الذي أرسى نظام الحصص العرقية لعقود من الزمن. كما تُعيد رسومه الجمركيةُ إحياءَ السياسات الحمائية في أوائل القرن الـ20، بينما تستحضر سياسته الخارجية الطموحات الإمبراطورية لمبدأ مونرو لعام 1823.
ورغم أن استلهام دروس التاريخ أمراً حكيماً للدول والقادة، كونه يقدّم دروساً حول كيفية مواجهة التحديات، ومنه يتعلم الرؤساءُ لمساعدة بلدانهم على التطور ورسم طريق نحو اتحاد أكثر كمالاً، إلا أن البعض يتعامل معه كخريطة طريق لإعادة تشكيل المستقبل على صورة الماضي، انطلاقاً من الاعتقاد بأن أفضل أيام الأمة كانت بالأمس، وأن ما فُقد تجب استعادته.
لكن الانشغال بالماضي لا ينسجم مع اهتمامات غالبية الأميركيين الذين يركّزون على مشكلات الحاضر، مثل ارتفاع أسعار البنزين وتكاليف المعيشة، ويفكرون في المستقبل، مثل الحراك الاجتماعي ودور الذكاء الاصطناعي. ومع أن 41% يقولون إن «الحلم الأميركي» كان ممكناً لكنه لم يَعُد كذلك، فإنهم يدركون أيضاً بأن جماعات كثيرة، لاسيما النساء والأقليات والمهاجرون، حُرمت طويلاً من الانتساب العادل إلى الطبقة الوسطى.
وبالنسبة لحركة «ماغا»، تشير العظمة إلى حقبة حُرمت فيها الفئات المستهدفة حالياً بأجندة مناهضة للتنوع والإنصاف والشمول من الوصول العادل إلى الديمقراطية والفرص والإجراءات القانونية الواجبة. كما أن هوس الحركة بالماضي انتقائي. فرغم إحياء إعلان ويلي هورتون واستغلال المخاوف العرقية، أطلق ترامب آلاف الأشخاص من السجون الفيدرالية بموجب قانون «الخطوة الأولى»، أحد أبرز إنجازات ولايته الأولى. وقال عام 2020 إن هذه «الفرصة الثانية للحياة» أصبحت ممكنة بفضل إصلاح تاريخي للعدالة الجنائية.
وحتى الآن، أتاح القانون لأكثر من 65 ألف سجين مغادرة السجن قبل انقضاء فترتهم، أي نحو 20 ضعف عدد الذين أُفرج عنهم مبكراً بموجب التسوية القضائية في عهد كوبر.
وستُختبر قدرة الإدارة على استعادة جاذبية الماضي في ولاية كارولينا الشمالية هذا الخريف، ولا تبدو المؤشرات واعدة. لكن، أياً تكن النتيجة، تظل سياسة «ماغا» متعلّقة بمفاهيم ثقافية وتاريخية، دون رؤية واضحة للمستقبل، وذلك بسبب تعلُّق أنظارها بالماضي في بلد يشعر بالقلق حيال حاضره ويفتقر إلى التفاؤل بشأن مستقبله.
*كاتب وضابط بحري متقاعد ومؤلف كتاب «إذا كنا شجعاناً»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»