يُردّد بعض من لا ذوق له أن الموسيقى حرام، ويردّد هذا القول غيرهم ممن قبلوا أحكامهم حول الموسيقى دون تدبّر ولا تمحيص، وكم هي الأحكام المسبقة التي يحملها الكثيرون حول بعض القضايا ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال والمراجعة.
ليس القصد من حديثي ها هنا معالجة هذه الموضوع من وجهة نظر شرعية، إذ يكفي الرجوع في هذا الصدد إلى «رسالة ابن حزم في الغناء الملهي» التي أكد فيها أن الأحاديث التي احتُج بها لتحريم الغناء لا يصح منها شيء عنده، ويقول في هذا الصدد: «ولا يصح في هذا الباب شيء أبداً، وكل ما فيه فموضوع»، وهذا هو القول السّليم، إذ كيف يُحرِّم الشرع علماً، وهو يدعو إلى الاستزادة من كل العلوم، والموسيقى هي قبل كل شيء علم رياضي؟!
إن الموسيقى علم رياضي، ذلك ما يعلمنا إياه أبو نصر الفارابي في كتابيه: «كتاب إحصاء العلوم»، و«كتاب الموسيقى الكبير»، ففي الكتاب الأول حدّد الفارابي موقع علم الموسيقى داخل تصنيف العلوم، وأدرجه ضمن القسم الرابع من العلوم التّعاليمية أي العلوم الرياضية، يأتي علم الموسيقى بعد علوم العدد والهندسة وعلم المناظر، ويأتي بعده علم النجوم وعلم الأثقال وعلم الحيل. فها هنا نجد الموسيقى علماً كباقي العلوم الرياضية له مبادئ وقواعد وبرهان، وجعل الفارابي علم الموسيقى قسمين: «أحدهما علم الموسيقى العملي، والثاني علم الموسيقى النظري»، العملي موضوعه الألحان. والنّظري موضوعه البحث في مبادئ الألحان من نغم وأبعاد وتناسب وإيقاع وغيرهما من المبادئ، وهذا هو الذي يفسر إدخال الموسيقى في العلوم الرياضية؛ لأن بنيتها قابلة للتحليل بوساطة النّسب والمقادير والعلاقات العددية.
أما «كتاب الموسيقى الكبير» للفارابي، وهو من أضخم المؤلفات الموسيقية في التراث العربي الإسلامي، فقد عمل الفارابي فيه على بناء علم الموسيقى من خلال بنية تتكون من مفاهيم الصوت والنغمة والبعد والجنس والسلّم واللحن والايقاع والأداء والآلة، وتتجلى في هذه البنية أهمية الرياضيات، إذ الانسجام الموسيقي مؤسَّس على علاقات كمية بين النغمات، مُحوّلا السؤال الموسيقي إلى سؤال فلسفي عندما يتساءل: لماذا تستلذّ النفس بعض التركيبات الصوتية وتنفر من بعضها الآخر؟ ولهذا فالموسيقى عنده، فضلاً عن كونها علم النّسق والنظام، هي فن جمالي. وهنا تبرز صلة الموسيقى بالشعر؛ لأن الوزن الشعري والإيقاع الموسيقي يشتركان في تنظيم مدد الأصوات.
ولا يقف الفارابي عند هذا المستوى المجرد بل نجده يدرس الآلات الموسيقية، وبخاصة آلة العود، التي لم تعد معه آلة ترفيهية بل أداة لاختبار نظريته الموسيقية، ويؤكد الفارابي في هذا الكتاب ارتباط الموسيقى بالانفعالات والتخيل واللذة والإحساس. لتلتقي فلسفة الموسيقى عنده بفلسفته في النّفس والأخلاق والسياسة.
كان الفارابي من فلاسفة الإسلام الكبار الذين خصوا الموسيقى بدراسات علمية رصينة، فقد أثبت الفارابي أن الموسيقى علمٌ وفنّ في آن واحد.
ظهر في الأندلس فيلسوف كبير كان يُحبّ الفارابي كثيراً، فقرأ كتبه وبرع في الفلسفة كما برع أيضاً في الموسيقى والألحان، وكان شاعراً مُفلقاً، ولحّن كثيراً من شعره وذاعت ألحانه في الأندلس وانتشرت، أقصد أبا بكر بن باجة الذي ترك رسائل في الموسيقى كما ترك الألحان، وشبّهه البعض بالفارابي بقوله: «ابن باجة في الموسيقى بالمغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق»، كما كان يجيد الضرب على آلة العود أيضاً.
يمثّل ابن باجة حلقة أساسية في انتقال الفلسفة الموسيقية من المشرق إلى الأندلس؛ فقد تلقّى الإطار العلمي الذي جعل الموسيقى جزءاً من العلوم الرياضية، ولا سيما في تقليد الفارابي، لكنه جمع إلى النّظر الموسيقي ممارسة فعلية للعزف والتلحين، وربط دراسة الموسيقى بالطّبيعيات وعلم النّفس والطّب. فلم تكن الموسيقى عنده ولا عند الفارابي مجرد طرب بل كانت علماً في الصّوت والنّغم والتّناسب والإدراك وتأثير الألحان في النّفس والجسد. وإذا كان كل من الفارابي وابن باجة قد نظّرا للموسيقى ومارساها فإننا نجد فيلسوف العرب، أبا يعقوب الكندي، قد ترك نصوصاً في الموسيقى تدل على المنزلة التي كان يحتلها هذا العلم ضمن المنظومة العلمية التي كانت فضاء علمياً رحباً للعقل العربي قبل أن يُضَيّقهُ الجمود والتّقليد.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.