يتذكر سفير فيجي لدى الولايات المتحدة الأميركية راتو إليسوني فويدريكيتي شجرة جوز هند بعينها من طفولته: كانت قوية وشاهقة، ومثمرة، ومتجذرة بثبات في الأرض الخصبة الخضراء لجزيرة فيجي الكبرى، حيث نشأ. أما الآن، فعندما يرتفع المد، تغمر مياه المحيط الهادئ الجنوبية المالحة تلك الشجرة ذاتها.
واليوم، يستشهد السفير بهذه الشجرة التي تحتضر أولاً عندما يصف خطر ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد دولته الجزيرة. ويقول: إن أول إعلان للمنظمة بشأن ارتفاع مستوى سطح البحر، والذي وافقت عليه كافة الدول الأعضاء الـ193 «مجرد مثال بسيط».
ويحدد الإعلان أوجه الحماية القانونية والمالية من ارتفاع مستوى سطح البحر، ويمثل انتصاراً نادراً للدبلوماسية متعددة الأطراف في وقت يتعرض فيه هذا المفهوم لضغوط شديدة. وكان الاتفاق واحداً من القضايا القليلة التي حظيت بتوافق خلال التجمع السنوي للدول.
ورغم أن ارتفاع مستوى سطح البحر يشكل تهديداً لجميع الدول، فإن الدول الجزرية المنخفضة بدأت بالفعل في رؤية آثاره. ومع ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، وارتفاع مستوى البحر نتيجة لذلك، تواجه بعض الدول خطر الاختفاء تحت المياه بالكامل. ويشير قادتها إلى أنهم يتحملون عبء تلك التداعيات، رغم أن الدول الكبرى والغنية والصناعية هي التي يُعتقد على نطاق واسع أن أفعالها أسهمت في التسبب في أزمة المناخ.
وقال رئيس وزراء توفالو، فيليتي تيو، خلال جلسة الأمم المتحدة الخاصة بشأن ارتفاع مستوى سطح البحر: «أمُثل مليار شخص يعيشون على الخط الأمامي لأحد أكبر التحديات في عصرنا».
وأكد تيو تصريحات قادة دول جزرية أخرى قائلاً: «إنه ليس تهديداً مستقبلياً، بل واقعنا الحالي». وتعتبر دولة توفالو أرخبيلاً يقع في جنوب المحيط الهادئ في منتصف المسافة تقريباً بين أستراليا وهاواي، وهي من أكثر الدول عرضة لخطر الغرق تحت المياه خلال هذا القرن.
وقال: إن الأمر يهدد بالفعل أمن الدولة الغذائي، ويدمر البنية التحتية، ويفرض ضغوطاً متزايدة على اقتصادها، كما يهدد ثقافتها وتراثها، وبل إنه يهدد وجود وبقاء بعض الدول مثل بلده. فعلى غرار سكان توفالو، يعيش سكان فيجي والعديد من الدول الجزرية الأخرى في جنوب المحيط الهادئ أيضاً بالقرب من السواحل.
وقال سولو مارا، أمين فيجي للشؤون الخارجية والتجارة الخارجية: «مدننا وبلداتنا، وبنيتنا التحتية، كلها تمتد على طول السواحل»، مشيراً إلى أن البناء على السواحل ظل لفترة طويلة جزءاً من نموذج التنمية الاقتصادية في البلاد.
وتُعد صناعة السياحة، التي أقيمت حول البحيرات الشاطئية والشواطئ ذات الرمال البيضاء، من المحركات الرئيسية للاقتصاد ومصادر العملة الأجنبية. لكن مارا يقول إن السياحة، إلى جانب طرق فيجي وجسورها ومنازلها، أصبحت جميعها معرضة للخطر.
ويرجع ذلك إلى كثرة الفيضانات والتآكل الساحلي، والرياح العاتية الشديدة، فضلاً عن تزايد عدد العواصف العنيفة والمدمرة. وأُجبرت بعض المجتمعات على الانتقال إلى مناطق أبعد داخل البلاد أو إلى الجزيرة الرئيسية في فيجي. ويصف مارا إجلاء بعض القرى قسراً بأنه أكثر إجراءات التكيف إيلاماً التي تتخذها الحكومة الفيجية.
ويقول مارا عن التغيرات المناخية التي تؤثر على الدول الجزرية في جنوب المحيط الهادئ وآسيا: «نحن مثل طائر الكناري في منجم الفحم»، في إشارة إلى أن هذه الدول تشكل إنذاراً مبكراً للخطر. ويضيف: «والآن ترون أشياء من هذا القبيل تحدث في أجزاء أخرى من العالم».
وتمثلت المرحلة الأولى من التدابير الدفاعية في فيجي والدول الجزرية الأخرى في بناء الجدران البحرية، وزراعة أشجار المانغروف، وتحسين أنظمة تصريف المياه؛ غير أن الخبراء يرون أن تلك الإجراءات لم تعد كافية في المرحلة الراهنة لحماية المناطق الساحلية الأكثر عرضة للخطر.
وتضم مجموعة «الدول الجزرية الصغيرة النامية» تحالفاً من الدول الجزرية، توحدت لإبراز هشاشتها المشتركة والدعوة إلى تحرك دولي، ومطالبة الدول الأخرى بتمويل إجراءات التكيف اللازمة لحماية الجزر وضمان بقاء سكانها فيها.
وقبل عقد، استخدمت المجموعة صوتها الموحد للتحذير من الخطر ومحاولة إقناع الدول الأكبر والأكثر قوة بالتوقيع على اتفاق باريس، بهدف الحد من ارتفاع حرارة العالم إلى 1.5 درجة مئوية عبر خفض انبعاثات الوقود الأحفوري من الفحم والنفط والغاز.
لكن الأمم المتحدة صرحت مؤخراً بأن العالم يبدو على وشك تجاوز هذا الحد، فيما يرى العلماء أن كل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة سيزيد صعوبة عكس مسار ارتفاع مستوى مياه البحر.
وينص إعلان الأمم المتحدة الجديد، الذي قادت المجموعة حملة لإقراره، على استمرار الدول في الوجود ككيانات سياسية ذات سيادة حتى إذا اختفت أراضيها، مع احتفاظها بحدودها البحرية الأصلية وحقوقها الحصرية في الصيد والطاقة والأغراض العسكرية.
كما ينص الإعلان على التزام الدول المتقدمة بالمساعدة في تمويل إجراءات حماية السواحل.وفي كلمته أمام ممثلي الدول، قال وزير المالية في الرأس الأخضر أولافو كوريا: «اليوم نحظى بالإشادة لتبنينا القرار، وغداً سيتم الحكم علينا بناءً على قدرتنا على تنفيذه».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
صحفية كتخصصة في الشؤون الدولية