تشتعل «حرب عالمية» حالياً، حيث يموت الملايين كل أسبوع على جبهات قتال لم تتصدر يوماً عناوين الأخبار. لكن المتحاربون في تلك الحرب ليسوا بشراً بل النمل، إذ تخوض «المستعمرات الفائقة» معارك ضارية منذ عقود عبر ست قارات. ورغم صغر حجمها، إلا أن تلك الحرب أوسع نطاقاً من أي حرب بشرية شهدها التاريخ. وقد يبدو إمعان النظر في هذا القتال والمنطق الذي يحركه أشبه بالنظر في مرآة.
ويُعد النمل الأرجنتيني نوعاً غازياً موطنه الأصلي شمال الأرجنتين والمناطق المجاورة. وبعد أكثر من قرن قضاه متنقلاً عبر وسائل النقل البشرية، وصل إلى مناطق نائية من العالم، حيث ينتظم في ما لا يقل عن 12 مستعمرة عملاقة تمددت على مساحات شاسعة، وكثيراً ما تصطدم ببعضها بعضاً بعواقب بالغة العنف.
وفي الولايات المتحدة، تدور الحرب بشكل بارز حول إسكونديدو في كاليفورنيا. وهناك، إذا أزحت الأعشاب المشذبة في مروج المنازل بالضواحي، فقد تكشف أحزمة ضيقة من النمل الهالك متراكمة، تعلوها نملات حية وهي تمزق أعداءها. ولحسن حظ أصحاب العقارات المحلية، فإن النمل لا يستطيع الصراخ.
ويُمكن لحديقة واحدة أن تؤوي مليوناً من العاملات، التي يتراوح طول الواحدة منها بين مليمترين وثلاثة مليمترات. وتتميز هذه الفصيلة بوفرة هائلة تكفي لإحداث أضرار بيئية تشمل القضاء على أنواع النمل المحلية، التي تكون مفيدة أغلب الأحيان.
ولن تحتاج نملة أرجنتينية تنتقل على متن سيارة تتحرك جنوب إلى المكسيك، إلى جواز سفر لعبور الحدود، فأفراد المستعمرة الفائقة يتعرفون إلى بعضهم من خلال الرائحة، وهي بمثابة «العلم الوطني» بالنسبة إليهم، والنمل في سان فرانسيسكو والمكسيك ينتمي إلى المستعمرة نفسها. وكانت تلك الرحلة ستقطع مسار أكبر مستعمرة فائقة في كاليفورنيا، التي تمتد أميالاً ويسكنها مليارات النمل.
لكن لو انتقلت تلك النملة إلى إسكونديدو، شمال سان دييغو، وتُركت على الجانب الخطأ من جبهة القتال، لتعرف إليها النمل بوصفها دخيلة أجنبية ومزقها ببطء. وتحتل أربعة مستعمرات عملاقة متحاربة من النمل الأرجنتيني جنوب كاليفورنيا، وتسيطر كل منها على مساحات تتلاقى حول المدينة. وتتغير خطوط المواجهة مع تغير حظوظ المستعمرات خلال اشتباكات لا تنقطع، وربما تكون مستمرة منذ أكثر من قرن، أي منذ وصول هذا النوع من النمل إلى هنا لأول مرة.
وهنا يصبح التشابه مع البشر لافتاً. ففي مجتمعات البشر والنمل على السواء، تميل طبيعة الصراع العنيف إلى الاعتماد على حجم السكان. فالمجتمعات الصغيرة تتجنب عادة الهجمات المباشرة. وعندما كان أسلافنا يعيشون جماعات من الصيادين وجامعي الثمار، كانت مجموعاتهم المتناثرة تبتعد عن المواجهات متى أمكنها ذلك، إذ لم يكن لديها الكثير لتخسره بالرحيل، ولم تكن تملك منازل أو مخازن مؤن تدافع عنها. وحتى عندما كانت تهاجم، كانت تتسلل وتغادر سريعاً لتجنب الخسائر.
وينطبق الأمر نفسه على مستعمرات النمل الصغيرة. لكن الحرب تظهر عندما تكبر المجتمعات وتستقر في أماكن غنية بالموارد. فزيادة الأعداد تقلب موازين الصراع لدى البشر والنمل على السواء، وتنتج ما يمكن تسميته «وقود المدافع»، سواء كان من النمل أو البشر.
وهل يؤدي تقسيم العالم بين جماعات مستقرة، لكل منها أعضاء محددون بوضوح، إلى الصراع حتماً؟ يبدو أن ذلك صحيح لدى النمل: فلا مستعمرات من النوع نفسه تتعايش بسلام، إما أن تتجنب بعضها بعضاً أو تهاجم بعضها بعضاً.
والأمر لا يقتصر على النمل. فالذئاب والأسود وبعض الخفافيش والطيور والأسماك تعيش أيضاً في مجتمعات مستقرة تحافظ على مناطق نفوذها. ويبدو أن التسامح، ناهيك عن التعاون، بين مجتمعات معظم الحيوانات الفقارية شبه معدوم.
وربما تُمثل قردة البونوبو استثناء. فبعض جماعاتها تتفاعل اجتماعياً، في حين يُعرف الشمبانزي بالعدوانية. وكثيراً ما يُعزى ود البونوبو إلى محدودية التنافس على الموارد التي تستحق القتال من أجلها. لكن علماء الرئيسيات يرصدون، مع تزايد الملاحظات، مزيداً من التوتر وأحياناً العنف بين جماعات البونوبو. وكما هي الحال بين الدول في عالم البشر، تبدو العلاقات الطيبة بين مجتمعات البونوبو هشة وقابلة للانهيار.
لذلك، فإن النزعة البشرية إلى الحرب ليست غريبة في سياق الطبيعة. واللغز الحقيقي ليس ظهور الحرب، بل ظهور السلام. فالبشر، مثل البونوبو، ينفتحون على الزائرين من المجتمعات المسالمة، بل يطورون علاقات بين الجماعات تتيح لهم الحصول على ما يحتاجون إليه من دون سرقة، وإنْ كانت تتطلب يقظة مستمرة للحفاظ عليها.
ومع ذلك، فإن نزعتنا المتأصلة إلى حماية أنفسنا قد تدفعنا إلى التفكير في العنف ضد الغرباء عندما تشتد الأزمات وتحتدم المنافسة.
ومع تأمل الطبيعة بحثاً عن رؤى بشأن الطبيعة البشرية، لا يسع المرء إلا أن يكون ممتناً لأن العقل البشري، خلافاً للنمل ومعظم الحيوانات الأخرى، يُظهر أرقى ما فيه بقدرته على تخيّل السلام.
ينشر بترتيب خالص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
هو عالم حشرات بمتحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي.