على مدى العقد الماضي، تابع الأوروبيون التحولات السياسية في الولايات المتحدة بمشاعر من الصدمة والقلق. فقد بدا أن تصاعد السلوكيات غير المتحضرة، وتزايد تقبل المعلومات المضللة، وأحداث اقتحام مبنى الكابيتول عام 2021، كلها مؤشرات على تراجع القيم السياسية الراسخة التي تشاركتها الولايات المتحدة مع أوروبا.
لكن حالياً تواجه تلك المعايير تهديدات متزايدة داخل القارة العجوز. وفي حين يرى العديد من الأكاديميين أن الديمقراطية تمر بحالة من التراجع العالمي، تقدم أوروبا منظوراً مختلفاً، فقد تمسّكت بعض الدول الأوروبية بتلك المعايير بقوة أكبر، بفضل صمود مؤسساتها وحقيقة أن المشهد الإعلامي الأوروبي لم يتفكك بعد مثل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، ذهبت دول أخرى مثل المجر إلى النقيض تماماً، حيث اقتربت من انهيار شبه كامل للمعايير الديمقراطية قبل أن تتراجع وتبتعد عن حافة الهاوية. وتظهر صورة متشابهة على نحو مفاجئ حول العالم، إذ تحقق جماعات اليمين المتشدد تقدماً ملحوظاً في تقويض المعايير التي ميّزت الديمقراطية الغربية خلال حقبة ما بعد الحرب.
ويرى بعض الخبراء أن هذا التحول نابع من تنامي الشعور بعدم الأمان الاقتصادي والثقافي عالمياً. فما يبدو للبعض انهياراً للمعايير، يبدو لآخرين رد فعل ضرورياً على نظام اجتماعي وسياسي يزداد ابتعاداً عن قيمهم. وتقول فيفيان شميدت، أستاذة كرسي جان مونيه للاندماج الأوروبي في جامعة بوسطن إن تغيير المجتمع يتطلب محاولة إقناع الناس بمجموعة مختلفة من المعايير. وقد تكون أوروبا ماضية على المسار نفسه الذي سلكته الولايات المتحدة، ولكن بفارق زمني يبلغ عقداً. وقد أصيب العديد من علماء الاجتماع بالذهول من قدرة الرئيس دونالد ترامب على تغيير المعايير السياسية الأميركية، أي أنماط السلوك المقبولة التي ظلّت سائدة لعقود.
وتقدم أوروبا منظوراً مختلفاً، إذ سارت ألمانيا، حتى الآن، في الاتجاه المعاكس. ففي الوقت الذي أوصل فيه تحدي ترامب للمعايير إلى رئاسة الولايات المتحدة، جرى استبعاد نظرائه السياسيين في ألمانيا تماماً من السلطة. ويتشارك حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتشدد الكثير من خطاب ترامب، لاسيما تعميم وصف مجموعات من المهاجرين بأنهم مجرمون ويشكلون عبئاً على الدولة. لكنه أضاف طابعاً ألمانياً على خطابه، إذ يريد إنهاء شعور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بالذنب تجاه النازية، إذ يقول الحزب إن النازية أصبحت من الماضي، وإن إحياء ذكراها يجعل الأمة ضعيفة.
لكن «ثقافة التذكر» تُعد من أقوى المعايير التي ترسّخت في ألمانيا بعد الحرب، وقد ردّت المؤسسات الألمانية بقوة للدفاع عنها. فالمكتب الاتحادي لحماية الدستور صنّف حزب «البديل من أجل ألمانيا» جماعة متطرفة، ورفضت جميع الأحزاب الأخرى التعاون معه، بينما يتبنى جزء كبير من الإعلام الوطني موقفاً واضحاً مناهضاً له.
والنتيجة أنه رغم كونه ثاني أكبر حزب في البرلمان الألماني أو «البوندستاغ»، فإنه لا يشارك في أي ائتلاف ولا يمتلك سلطة في برلين أو أي ولاية ألمانية. لكن هذه المقاومة بدأت تتصدع. فقد حصل الحزب على أعلى نسبة أصوات في تاريخه، بلغت 44%، في انتخابات حديثة بولاية «ساكسونيا-أنهالت». آن سويدلر، عالمة الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ترى أن ترامب حوّل، في أغلب المواقف، ما كان يُعد مصدراً للخجل إلى تحدٍ وإصرار.
وبالنسبة لبعض الناخبين، «يعبّر بصوت عالٍ عما يدور في أذهانهم». وربما جعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» هذا الأمر جوهر جاذبيته السياسية. ويوضح ذلك كيف تتغير المعايير، فالمشهد الإعلامي يشهد تحولات مستمرة، سواء هنا أو في أماكن أخرى. وتقول سويدلر إن المعايير الحالية نشأت في عالم كانت توجد فيه ثلاث قنوات بث في الولايات المتحدة، وكانت غالبية الدول الأخرى تعتمد على وسائل إعلام مدعومة من الحكومات، مضيفة أن الماضي «شهد عوائق تحول دون قدرة الثقافات الفرعية على التعبير عن نفسها».
ويرى بعض الخبراء أن تصاعد رد الفعل العكسي يعتبر مؤشراً على أن التوجهات التقدمية خلال السنوات الأخيرة تجاوزت الحدود المقبولة لدى الكثيرين. ففي ألمانيا، استقبلت البلاد أكثر من مليون لاجئ عام 2015. ومع تزايد الشعور بعدم الأمان الاقتصادي نتيجة تعثر اقتصادات أوروبية عدة، ازدادت الضغوط على المعايير السياسية السائدة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
*صحفي أميركي