في ملعب للجولف، التقيت مصادفةً رجل أعمال أميركياً من أصول إيرانية يعيش في دبي. لم يكن يعرف من أكون. بدأ حديثنا بتأخر الشحنات وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، ثم انتقل إلى الحرب داخل إيران. قال إنه يعارض النظام الإيراني، لكنه يعتقد أن موقف بعض الإيرانيين تغيّر حين شعروا بأن الضربات الأميركية والإسرائيلية تجاوزت القادة والمنشآت العسكرية إلى حياتهم ومصالحهم.
توقفتُ عند حديثه. فهو لا يمثّل الشارع الإيراني، لكن ما قاله يطرح سؤالاً يستحق النظر: هل يمكن أن تدفع الحرب معارضي النظام إلى الدفاع عن وطنهم، فتستفيد السلطة من موقف لم يكن تأييداً لها في الأصل؟
قد يرفض المواطن الإيراني نظامه السياسي بشدة، ثم يرفض بالقدر نفسه أن تُدمَّر مدينته أو يخسر أهله مصادر رزقهم. وحين تصبح حياة الناس جزءاً من ساحة الحرب، تستطيع السلطة أن تصور الدفاع عنها باعتباره دفاعاً عن البلاد. هنا تكمن إحدى أصعب نتائج استخدام القوة: أن تمنح خصمك السياسي فرصة للوقوف خلف راية يتفق عليها حتى معارضوه.
ولإيران تجربة تاريخية تستحق الاستحضار. فقد بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 بغزو بري واحتلال أراضٍ إيرانية، في وقت كانت فيه الجمهورية الإسلامية حديثة العهد وتواجه انقسامات داخلية. أسهم الدفاع عن البلاد وتصاعد الشعور الوطني خلال الحرب في ترسيخ سلطة القيادة الجديدة. والغزو البري لأرض الوطن يختلف في أثره عن الضربات الجوية، لذلك لا يمكن افتراض تكرار نتيجة الأمس اليوم. لكن تلك التجربة تذكّر بأن الهجوم الخارجي قد يغيّر حسابات المجتمع على نحو لم يتوقعه من بدأ الحرب.
وفي المقابل، لا يجوز تفسير كل صمت على أنه تأييد. فالاحتجاجات في إيران كانت قد انحسرت قبل بدء الحرب، بعد قمع واسع النطاق. من الصعب، في ظل الخوف والقتال، أن نعرف بدقة كم شخصاً غيّر موقفه، وكم شخصاً بقي على معارضته واختار الصمت. ولذلك ينبغي التعامل مع حديث الرجل الذي قابلته بوصفه نافذة على احتمال سياسي، لا دليلاً قاطعاً على اتجاه الشارع كله.قال الرجل أيضاً إن الحصار، لو حلّ محل القصف، كان كفيلاً بإنهاء الأزمة بنهاية مارس. لا أرى دليلاً يتيح الجزم بذلك. فالحصار نفسه قد يرهق الناس قبل القيادة، وقد تستخدمه السلطة لتفسير إخفاقاتها وحشد المجتمع ضد الخارج. ليست المسألة، إذن، أن وسيلة ضغط واحدة كانت ستضمن نتيجة مختلفة، المسألة هي فهم ما تفعله كل وسيلة بحياة الناس ومواقفهم، لا ما تفعله بقدرات الدولة وحدها.
حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الأضرار التي لحقت بمرافق الطاقة والمياه والرعاية الصحية، ومن الثمن الذي يدفعه المدنيون في المنطقة. يجب أن تأتي حماية هؤلاء أولاً لذاتها. وعلى المستوى الاستراتيجي أيضاً، فإن اتساع معاناتهم قد يزيد خوفهم على بلدهم، ويمنح السلطة فرصة لاستثمار ذلك الخوف. ومن هنا يتصل مصير الشارع الإيراني بأمن الخليج. فحين يمتد القتال إلى الملاحة في مضيق هرمز، لا تبقى آثاره داخل حدود إيران، تصل إلى موانئ جيرانها وتجارتهم وأمنهم. والاعتداء على دول المنطقة لا تبرره الضربات التي تتعرض لها إيران. كذلك فإن توسيع دائرة الحرب يمنح النظام الإيراني مادة إضافية لتقديم الصراع لشعبه باعتباره مواجهة مفتوحة تهدد البلاد كلها.
لهذا لا يكفي، قبل أي ضربة، أن يُسأل: هل نستطيع إصابة الهدف؟ يجب أن يُسأل أيضاً: كيف سيتلقّى الناس أثرها؟ وهل ستُضعف قدرة النظام على مواصلة الصراع، أم تمنحه سبباً جديداً لحشد من يعارضونه؟ وبعد الضربة، ينبغي قياس هذين الأثرين معاً، والاستعداد لتغيير المسار إذا أخذت النتيجة السياسية تبتعد عن الغاية المقصودة.
فالضربة التي تنجح في الميدان وتوسّع الحرب، أو تقرّب المعارضين من السلطة خوفاً على وطنهم، تكون قد أصابت هدفها العسكري، لكنها أخطأت غايتها الاستراتيجية.
*لواء ركن طيار متقاعد.