قابلت الدكتور خليفة الظاهري، المدير الحالي لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، قبل قرابة الأربعة عشر عاماً من الآن. ومنذ ذلك الحين كان يحكمه همّان: مكافحة التطرف والإرهاب باسم الإسلام، وتجديد الخطاب الديني. وهاتان المسألتان المهمتان ما تزالان تشغلانه مثل الكثيرين منا، وتعبِّر عن ذلك مقالاتُه ومحاضراتُه ومقابلاتُه التلفزيونية الأخيرة.
لقد سيطرتْ على جوانب من التفكير الديني الأصولياتُ المتشددةُ وأحدثت انشقاقاتٍ كافحناها جميعاً وكافح العالَمُ أعمالَها الإرهابيةَ وحملاتِها الرامية لإثارة انقسام المجتمعات وإحداث الانشقاقات فيها. ومع توالي هذه الحملات أُثير السؤالُ حول البدائل، لا سيما مع العلم بأن العودة للتقليد الفكري والكلامي ما عادت ممكنةً في وقتنا هذا، حيث إن التقليدَ فَقَدَ مناعتَه، وخالطت الهشاشةُ الكثيرَ من مروياته وسردياته. كما أنه من غير الممكن البقاء في إسار التنازع مع الأصوليات حول مَن هو الأحقّ بتأويل هذا النص أو ذاك أو هذه الواقعة أو تلك!
ولهذا السبب صار تجديد الخطاب الديني، أو حتى الفكر الديني، ضرورةً لحياة الإسلام وحيويته وطمأنينة أبنائه، والعيش به في العالم ومعه. وهذا هو السبيل الذي انتهجه الدكتور خليفة الظاهري، ومن حقه أن يرى أن التجديد الديني أو الاجتهاد بالطرائق المنتهجة ما كان كافياً أو مجدياً، وهذا بدليل أنّ الأصوليات والإرهابيات وجماعات الإسلام السياسي اخترقته وشرذمته وعاثت فيه فساداً. لا قطيعة مع الموروث، بل استيعاب وفهمٌ لا يتجاوز حجية السنّة. وهنا يقترح الظاهري فهماً آخرَ يستند إلى السياقات وإلى معروف العصر، فضلاً عن إمكانيات النص الذي لا تُستنفد معانيه ولا مآلاته. لنعد إذن إلى الأساس، وذلك بتأسيس أصول الدين والمعرفة الدينية على اليقينيات العقلية والفلسفية والمنطقية. وهذا ما يطالبنا به القرآن الكريم، ويطالبنا به العقل السليم. وإذا تأسّس الإيمانُ الوثيق على هذه الثوابت فحينئذ تزدهر الحياةُ الروحيةُ والعبادية والأخلاقية، كما نصّ على ذلك الذكرُ الحكيم.
وما ذكره الظاهري عن تنقية الحديث الشريف وتنقية السيرة النبوية، ونسخ آية السيف من خلال آيات كثيرة حول السلام والوئام والعيش مع الناس المختلفين بأخوةٍ وتعارف، ذكره قبله العشراتُ قديماً وحديثاً. صحيحٌ أنها موضوعاتٌ خلافية منذ القِدم، حتى بعض ما ورد في الصحيحين. لكنها جميعاً كانت وصارت شديدة الإساءة إلى صورة الرسول والقرآن وعيش المسلمين في العالَم ومعه. إنّ اختيار الصمت على هذا العدوان الأصولي المستمر، لاتّقاء شرور وسائل التواصل الاجتماعي وزعانفها وعنعنات الجامدين والمستكبرين ما أفاد الإسلامَ ولا أعان مريدي الإصلاح من قبل ولن يفيد اليوم ولا غداً. وإذا سلّمنا بذلك الصمت فلنسلِّم أيضاً بـ «القاعدة» و«داعش» والجرائم الأخرى باسم الإسلام حتى لا نتهم بالتنكر للدين! ما يدعو إليه الدكتور خليفة الظاهري من أفكار نهضوية تتّسم بالعقلانية والحكمة، هو حبٌّ للإسلام وشجاعةٌ في الانتصار لسماحته ونظافته وسكينته وسلامه.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية