تُعد آسيا الناشئة مستقبل سوق الغاز الطبيعي المسال، وهو مستقبل لا يبدو أنه يتحقق على أرض الواقع الحالي. وبالنظر إلى مسار السوق خلال العقد الماضي على الأقل، نجد أن النمو الكبير في الغاز الطبيعي المنقول بحراً تركز على مجموعة محدودة من الدول أغلبها آسيوية، والتي تشهد تراجعاً في حقولها المحلية. وفي تقريرها الأول حول آفاق الغاز الطبيعي المسال عام 2017، أشارت شركة «شل» عملاقة الطاقة العالمية، إلى تايلاند وبنجلاديش والفلبين وفيتنام باعتبارها من المصادر الرئيسية للنمو. وتتصدر الدول الأربع نفسها المشهد بقوة في أحدث توقعات الشركة، التي صدرت عقب الأزمة في مضيق هرمز التي أحدثت صدمة في السوق.
وتذكر «شل» أن منطقتي جنوب وجنوب شرق آسيا ستستحوذان على نحو 40% من واردات الغاز الطبيعي المسال بحلول منتصف القرن الحالي، مما سيمثل أكثر من ثلثي الزيادة في الطلب مقارنة بالمستويات الحالية. غير أن الحكومات الآسيوية، التي تضررت من التكاليف المرتفعة وعدم اليقين بشأن الإمدادات، تعمل حالياً على التخلي عن تلك التوقعات. وتُعد تايلاند المثال الأبرز، إذ تبدو البلاد نظرياً نموذجاً لسوق الغاز. ويمكن إرجاع ازدهارها الاقتصادي في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات إلى فتح المجال أمام استغلال الحقول المحلية. ولا يزال الميثان يوفر نحو ثلثي الطاقة الكهربائية، وهي حصة تفوق ما هي عليه في دول عملاقة تعتمد على الغاز مثل الولايات المتحدة وروسيا. وفي أحدث توقعات «شل»، تُعد تايلاند أكثر الأسواق الواعدة في آسيا الناشئة، حيث من المتوقع أن تتضاعف وارداتها من الغاز الطبيعي المسال خمس مرات بحلول عام 2040 مقارنة بالمستويات الحالية. غير أن بانكوك لديها أفكار أخرى.
فبموجب أحدث خطة للحكومة لسوق الطاقة، التي طُرحت في مسودة مؤخراً، سترتفع حصة الطاقة المتجددة في الشبكة من 20% إلى 50% خلال العقد المقبل، قبل أن تصل إلى 89% تقريباً بحلول عام 2050. وأحد الأسباب الرئيسية لهذا التحول، بحسب وزير الطاقة أكانات برومفان، هو تقليل الاعتماد على «واردات الغاز الطبيعي المسال الفورية باهظة الثمن ومتقلبة الأسعار». ولا تقتصر تلك الحالة على تايلاند، حيث تحتل بنجلاديش المرتبة الثانية في توقعات «شل» لأسواق النمو المستقبلية في المنطقة. وقد دفع اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال اقتصادها إلى حافة الهاوية خلال الأسابيع الأخيرة، وتتمثل الخطة الرئيسية لحل الأزمة في زيادة توليد الطاقة الشمسية وفتح مناطق للتنقيب عن الغاز في البحر، لاستخراج ما تبقى من احتياطيات حقولها المحلية، وفقاً لرئيس الوزراء طارق رحمن.
وقال أمام البرلمان في وقت سابق: «لن نعود مستهلكين للطاقة المستوردة. سنصبح منتجين للطاقة الشمسية». ولا يبدو وضع الأسواق الأخرى التي كان يُتوقع لها ازدهار كبير أفضل حالاً، فقد تحولت الفلبين نحو استخدام الغاز لدعم مصادر الطاقة المتجددة بدلاً من الاعتماد عليه كركيزة أساسية لنظام الطاقة لديها كما كان مخططاً له سابقاً. في فيتنام، يبدو أن أسطول الغاز الطبيعي المسال الضخم الموعود به يواجه صعوبات متزايدة، حيث تقاوم الحكومة مطالب المطورين بتقديم وعود شراء استثنائية تضمن ما يصل إلى 95 في المائة من مبيعاتهم لمدة تصل إلى 25 عاماً. وبالنظر إلى جميع المعطيات مجتمعة، تبدو الصورة محبطة للغاية بالنسبة لمنتجي الغاز. إذ لم يكن التراجع في الاعتماد على الغاز مدفوعاً بمحاولات أيديولوجية لتحقيق هدف «صافي الانبعاثات الصفري»، بل إن الحكومات المعنية تدين بجزء كبير من نموها في العقود الأخيرة لاستغلال احتياطيات الوقود الأحفوري المحلية. وبدلاً من ذلك، تتمحور تلك التطورات حول فشل الغاز الطبيعي المسال في الوفاء بوعود الموثوقية والتكلفة المعقولة. إنه مأزق مأساوي، فخلال معظم العقد الماضي، ارتكزت أقوى الحجج المعارضة للتوجه نحو الكهرباء الخالية من الكربون، والمؤيدة لاستخدام الغاز كـ «وقود انتقالي» وسط، على مفهوم «معضلة الطاقة الثلاثية»، التي تفترض أن مصادر الطاقة يجب أن تكون نظيفة ورخيصة وآمنة في آن واحد. وبالنسبة لمستهلكي الطاقة، لا يكفي أن تكون مزرعة طاقة الرياح منخفضة الانبعاثات، بل يجب أيضاً أن تكون تكلفتها معقولة، وأن تكون متاحة وقت الحاجة إليها.
أما الآن، يخفق الغاز الطبيعي المسال في تلبية المعايير الثلاثة. فهو لم يكن يوماً مصدراً نظيفاً، كما أنه لم يعد زهيد التكلفة مؤخراً، فمجرد شراء الغاز لتشغيل محطة قائمة قد يكلف أكثر من بناء منظومة جديدة تماماً تجمع بين الطاقة الشمسية وتقنيات التخزين.. أما من ناحية أمن إمدادات الطاقة، فقد انهارت تلك الحجة بمجرد أن أغلقت الطائرات المسيَّرة الإيرانية نحو خُمس السوق العالمية، مما أدى إلى إغراق المستوردين الآسيويين في أزمات انقطاع التيار الكهربائي واضطرارهم لترشيد استهلاك الطاقة.
وفي ظل تلك الظروف، ليس من الصعب فهم سبب تردد فيتنام في قبول الشروط التي يطالب بها مطورو مشاريع الغاز الطبيعي المسال. وحتى مع استبعاد الاعتبارات البيئية، لماذا تدفع هانوي سعراً باهظاً مقابل ضمانات شراء الغاز لمدة 25 عاماً، إذا كان المشروع المعني لا يستطيع حتى أن يضمن توفير الطاقة عند الحاجة؟
وفي المرحلة الراهنة، فإن أفضل حجة لصالح الغاز الطبيعي المسال في آسيا الناشئة هي أنه ليس مصدراً للطاقة فحسب، بل ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مادة خام للأسمدة وتكرير النفط، ومصدر للحرارة في صناعات مثل صناعة الزجاج والسيراميك، التي يصعب تحويلها للعمل بالطاقة الكهربائية.ويبدو أن ذلك السوق الضخم والجديد لتوليد الطاقة، الذي ظل المنتجون يترقبونه طوال عقد، أصبح أمراً مستبعداً بشكل متزايد. إذ لا يمكن لآسيا الناشئة أن تظل تمثل مستقبل الغاز الطبيعي المسال إلى الأبد، ففي النهاية، سينفذ وقت الاعتماد على هذا الوقود، الذي يتسم بكونه أكثر تلويثاً للبيئة وأعلى تكلفة وأقل أماناً مقارنة بالبدائل المتاحة.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»