عُرفت مملكة اسبرطة في التاريخ بأنها نموذج للممالك الصغيرة في المساحة، الكبيرة في القوة والأثر، ولطالما كان التساؤل مطروحاً حول معايير الحجم ومدى ارتباطه بالقوة والتأثير.
حين أطلق وزير الدفاع الأميركي الأسبق، جيمس ماتيس، لقب «إسبرطة» على دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كانت الإشارة بشكل أساسي إلى الكفاءة العسكرية والقدرة على التأثير الاستراتيجي الذي يفوق الحجم الجغرافي.
لكن، إذا أزحنا الستار عن المشهد العسكري ونظرنا إلى «هندسة الدولة» والنهضة الاقتصادية الشاملة، فسنجد أن التشبيه يحمل أبعاداً أعمق بكثير من الجوانب العسكرية.
قصة صعود الإمارات لا تماثل إسبرطة في قوتها فحسب، بل في فلسفة التأثير والمرونة الاستراتيجية، تلك القدرة على تطويع الجغرافيا والديموغرافيا لخدمة السيادة والازدهار. ومع ذلك، فإن النموذج الإماراتي يقدم تصحيحاً تاريخياً مذهلاً: لقد أخذ نموذج الدولة من إسبرطة انضباطها وتماسكها الاجتماعي، لكنها -أي الإمارات- لقَّحت في ذات الوقت هذا النموذج بانفتاح «أثينا» التجاري والفكري، لتخلق نموذجاً فريداً ومتكاملاً للنهضة الاجتماعية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
تاريخياً، لم تكن قوة إسبرطة نابعة من كثرة العدد، بل من جودة التنظيم، أو ما يُعرف بـ«اليونوميا» (Eunomia). هذا الانضباط هو ذاته المحرك الرئيس للاقتصاد الإماراتي اليوم، في دولة لا تعتمد على الكثافة السكانية الهائلة أو المساحات الشاسعة، بل في الاستثمار في الكفاءة والمواهب.
تترجم لغة الأرقام هذه الحقيقة بوضوح، فبفضل التخطيط والسياسات الحكومية المرنة والذكية، نجحت الدولة في تقليص اعتمادها على النفط بشكل لم يسبق له مثيل في المنطقة، حيث تجاوزت مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي حاجز 75% في النصف الأول من العام 2025 بحسب بيانات وزارة الاقتصاد.
وكما كانت إسبرطة تتفوق بنظامها، تتصدر الإمارات اليوم المشهد العالمي، محققة المركز الأول عالمياً في مؤشر رأس المال الاستثماري، وضمن العشر الأوائل عالمياً في العديد من مؤشرات الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، متفوقة على قوى اقتصادية كبرى، كما حققت المركز الأول عالمياً في مؤشر القدرة الرقمية للحكومة الصادر عن «إكسفورد أنسايتس»، وغيرها من المؤشرات التنافسية الصادرة عن العديد من المؤسسات الدولية المرموقة ومراكز الأبحاث العالمية، مما يثبت فاعلية الأداء الحكومي ونجاعة الاستثمار في الإنسان والمعرفة.
ولعل أحد أكثر نقاط التشابه التي أثارت دهشتي وأنا اطّلع على المراجع التاريخية، هي مكانة المرأة، حيث يذكر أرسطو أن النساء في إسبرطة كُنَّ يدرن نحو 40% من الأراضي بحسب ما جاء في كتابه «السياسة»، مما منحهن نفوذاً اقتصادياً حقيقياً.
هذا النموذج المتقدم تاريخياً يجد صداه اليوم بشكل أكثر تطوراً في الإمارات. فالمرأة اليوم تشغل ما نسبته 50% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، وهي واحدة من أعلى النسب عالمياً للتمثيل البرلماني، مما يعكس الشراكة في «صناعة القرار».
وفي الجانب الاقتصادي والتنفيذي، تمثّل المرأة نحو 66% من القوة العاملة في القطاع الحكومي بحسب البيانات الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، كما تشكّل نسبة 30 في المائة من العاملين في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وتدير استثمارات بمليارات الدراهم في القطاع الخاص والمصرفي، مما يعيد للأذهان دور المرأة الإسبرطية كعمود فقري لاقتصاد الدولة، ولكن بنسخة عصرية تقود الابتكار والمستقبل. وفي أعلى سلم الجهاز الحكومي: مجلس الوزراء، نجد المرأة الإماراتية تقود العديد من الحقائب الوزارية في شتى المجالات.
بالعودة إلى إسبرطة، وفي وقت سادت فيه الفوضى، كان استقرار إسبرطة هو عامل جذب، والضامن لمواردها. واليوم، بفضل الله تعالى وحكمة القيادة الرشيدة، أصبح الأمن والاستقلال أقوى ميزة اقتصادية وأعلى الأصول قيمة، تعمل على تعزيز جاذبية الدولة للعيش قبل الاستثمار.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه تدفقات الاستثمار عالمياً في فترات ومناطق كثيرة، تواصل الإمارات تقدمها لتحتل المرتبة التاسعة عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) وفق تقارير الأونكتاد، بقيمة فاقت 48 مليار دولار، كما حلّت الثانية عالمياً في عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة، بما يزيد على 1500 مشروع جديد في العام 2025، مقارنة بحوالي 1300 مشروع في العام 2024.
هذه الأرقام هي نتائج مباشرة لتصنيف الدولة المتكرر في مراكز الصدارة في مؤشر الشعور بالأمن وفق تقارير «غالوب».
لقد أثبت النموذج الإماراتي أن سيادة القانون والاستقرار الأمني هما المحرك الأول لعجلة الاقتصاد قبل أي حوافز مالية أو اقتصادية، مثل نسب الضرائب أو معدلات النمو وغيرها.
وإذا كانت تعثر إسبرطة مرده العديد من الأسباب ومنها التدهور الاقتصادي وانغلاقها ورفضها العملات الأجنبية، فإن عبقرية النموذج الإماراتي قد وازن بين «حزم إسبرطة» و«انفتاح أثينا». فبينما كانت إسبرطة تطرد الغرباء، تحتضن الإمارات اليوم أكثر من 200 جنسية يعيشون بتناغم، مما حولها إلى مختبر عالمي للمواهب. واقتصادياً، ازدادت القوة التجارية للدولة ازدهاراً عبر توقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة (CEPAs) مع مختلف دول العالم، لتحقق تجارتها الخارجية غير النفطية قفزات تاريخيّة وتصل إلى مستويات قياسية تخطت حاجز 3.7 تريليون درهم العام الماضي، وحوالي 2 تريليون درهم خلال النصف الأول من العام الحالي، لتكون بحق جسراً يربط الشرق بالغرب، وحلقة وصل بين الشمال والجنوب.
دولة الإمارات العربية المتحدة، في نهضتها الحديثة، لا تعيد إنتاج التاريخ بل تعيد هندسته. لقد أثبت النموذج الإماراتي أن الدول يمكنها أن تكون عملاقاً استراتيجياً واقتصادياً إذا ما امتلكت رؤية واضحة، وانضباطاً مؤسسياً، ومرونة تسمح لها باحتضان العالم. إنها، باختصار، تجسيد حي لما يحدث عندما يلتقي انضباط إسبرطة بانفتاح أثينا في قلب الجزيرة العربية.
*مدير إدارة الشراكات الاستراتيجية والاتصال في أمانة اللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال.