نجحت القمة التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ منذ أيام في تجنيب البلدين حرباً تجاريةً شاملة، على الأقل في الوقت الراهن. غير أن هناك مؤشرات جديدة على احتمال اندلاع أزمة أخرى بين الصين ودول الاتحاد الأوروبي الـ27، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة. وقبيل إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الاتحاد الأوروبي والصين في بكين، في غضون الأيام المقبلة، تستند المخاوفُ الأوروبية جزئياً إلى شكاوى غربية مزمنة بشأن الممارسات التجارية الصينية، مثل دعم الحكومة للشركات وانخفاض قيمة عملة «الرنمينبي» الذي ساعد المصدّرين الصينيين في التفوق على منافسيهم الأجانب.
لكن القلق الأكبر يتعلّق بإعادة هيكلة جوهرية للاقتصاد الصيني، وهو تحول بدأت دول الاتحاد الأوروبي تنظر إليه باعتباره تهديداً اقتصادياً، وأطلقت عليه اسم «صدمة الصين 2.0». ويشير المصطلح إلى «الصدمة» الأولى التي حدثت قبل نحو ربع قرن، عندما أصبحت الصين مركزاً للتصنيع منخفض التكلفة لمعظم السلع الاستهلاكية الأساسية في العالم، مما أفاد المستهلكين لكنه أدى إلى خفض الأجور وفقدان الوظائف وإغلاق الشركات في الغرب.
أما «صدمة الصين 2.0» فتختلف من حيث الحجم والطبيعة، حيث تركّز القيادة الصينية الحالية استراتيجيتَها على جعل الصين قوةً عالميةً رائدةً في الصناعات التحويلية المتقدمة وعاليةِ القيمة والتكنولوجيا، وهي صناعات يتوقع أن تقود اقتصاد القرن الـ21. وتتصدر الصينُ بالفعل دولَ العالم في تصنيع البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح. كما أصبحت الدولة الرائدة عالمياً في صناعة السيارات الكهربائية، وهو ما يمثّل مصدر قلق بالغ لألمانيا، أكبر اقتصاد صناعي في الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، يشهد الاقتصادُ الصيني تباطؤاً، ويتراجع الطلب المحلي، إذ تفوق كميات المنتجات الصناعية الحديثة التي تنتجها الصين بكثير ما يمكن بيعه داخل السوق المحلية، لذا يتجه جزء متزايد منها إلى أوروبا.
وتأتي المحادثات المقررة خلال الأيام القريبة القادمة في بكين بين مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة ماروش شيفكوفيتش، ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو، وسط شعور متزايد لدى أوروبا بضرورة التحرك العاجل، بسبب عدة عوامل أبرزها المخاوف من أن تؤثر زيادة الصادرات الصينية على المصنّعين الأوروبيين، لاسيما قطاع السيارات الألماني، وأن تؤدي خسائر الوظائف إلى زيادة الدعم للأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا. كما يتزايد الاعتقاد بأن الجهود السابقة للحد من الواردات الصينية لم تحقق تأثيراً كبيراً. ففي عام 2024، فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، ما أدى إلى تباطؤ مبيعاتها، لكن صادرات السيارات الهجينة، التي لم تشملها الرسوم، قفزت من أقل قليلاً من 4 آلاف سيارة شهرياً إلى 50 ألفاً.
ومع ذلك، لا يزال الاتحاد الأوروبي حريصاً على تجنب حرب تجارية شاملة مع الصين، فقد رأى كيف ساهمت القيودُ الصينية على تصدير المعادن الأرضية النادرة، الضرورية للصناعات المتقدمة، في دفع ترامب إلى التراجع عن معركته الجمركية الشاملة مع بكين. ومُددت الهدنة الجمركية في القمة الأخيرة مع شي حتى أوائل العام المقبل. وقد تضررت أوروبا أيضاً من قيود العناصر الأرضية النادرة، وهي تدرك تماماً أن بكين سترد على أي تحرك أوروبي كبير يهدف إلى تخفيض الصادرات الصينية.
لكن مهمة شيفكوفيتش تأتي وسط دعوات من دول أوروبية رئيسية، بينها ألمانيا وفرنسا، إلى إجراءات أكثر حزماً. وقبيل محادثات بكين، حاول مسؤولو الاتحاد الأوروبي إقناع الصين بقبول حد طوعي لصادرات السيارات الهجينة إلى أوروبا، باعتباره خطوةً أولى نحو تسوية أوسع للخلافات التجارية. وتشمل الخيارات الأخرى اشتراط «شراء المنتجات الأوروبية»، بما يقصر المشتريات الحكومية أو واسعة النطاق من السيارات على المركبات المنتجة داخل الاتحاد، إلى جانب فرض قيود على استحواذ الشركات الصينية على الشركات الأوروبية. ويتمثل الهدف في خفض الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي، الذي يتجاوز مليار دولار يومياً، وقد نما بنحو 10% خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري.
وقال شيفكوفيتش إنه شدد أمام المسؤولين الصينيين على ضرورة تقليص الفجوة التجارية، محذراً من أن «آلاف الوظائف في الاتحاد الأوروبي» ستكون مهددة. ولا يبدو أنه يتوقع انفراجةً كبيرةً في محادثات الأسبوع المقبل، لكنه قال في منتدى للسياسات في برلين إن تحقيق بعض التقدم ضروري، داعياً إلى «خطوات واضحة»، منها تنفيذ بعض «المشاريع التجريبية» لإثبات نجاح التشاور والتعاون بشأن مجموعة منتجات محددة.
والبديل، كما ألمح، هو تزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي إلى إجراءات أكثر حزماً على مستوى التكتل بأكمله. وإذا كان ما حدث في المواجهة بين الولايات المتحدة والصين يمكن الاسترشاد به كمؤشر، فمن المرجح أن يثير ذلك ردَّ فعل مضاد من جانب بكين.
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»