خلال فترة رئاستي لوكالة الأمن القومي وقيادة الأمن السيبراني الأميركية، شهدتُ كيف يمكن للتهديدات السيبرانية أن تُعرِّض الولايات المتحدة للخطر. فالتدخل في الانتخابات، وهجمات «برامج الفدية»، وهجمات سلاسل الإمداد، والثغرات الأمنية غير المكتشفة سابقاً في أنظمة البرمجيات الحيوية، كلها تُهدد الأمن القومي. واليوم، كعضو في مجلس إدارة شركة «أوبن إيه آي»، أرى خطراً أكبر يبرز في الفضاء السيبراني: الذكاء الاصطناعي.
ويُغير الذكاء الاصطناعي موازين القوى على الإنترنت بوتيرة متسارعة. فالنماذج الأكثر كفاءة أصبحت قادرة على اكتشاف ثغرات برمجية لم تكن معروفة من قبل، وتطوير أساليب جديدة لاستغلالها، والعمل دون توجيه بشري مباشر لكل خطوة. ومع توسع تلك القدرات، ستتمكن الحكومات المعادية والمنظمات الإجرامية وغيرها من الجهات الخبيثة من تنفيذ عمليات أكثر تطوراً ضد أهداف أكثر وفي وقت أقل.
ويتفاقم الخطر بسبب حالة الأنظمة التي يجب علينا حمايتها. فلا يزال الكثير من البنية التحتية الحيوية تعتمد على تقنيات قديمة وبرمجيات مترابطة تحتوي على ثغرات خطيرة ربما لم يتم اكتشافها لسنوات. والأسوأ أن المستشفيات وشبكات المياه ومزوّدي الطاقة والحكومات المحلية غالباً ما تعمل بميزانيات محدودة وطواقم عمل قليلة العدد في مجال الأمن السيبراني.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الخصوم في العثور على نقاط الضعف في تلك الأنظمة واستغلالها بسرعة أكبر بكثير من ذي قبل. ولكنه سيمنح المدافعين أيضاً أكبر ميزة تكنولوجية لهم منذ جيل. فالقدرات نفسها التي تكشف الثغرات الأمنية يمكن أن تساعد في معالجتها، إذ يمكن للنماذج فحص الأكواد البرمجية القديمة، وتحديد نقاط الضعف التي أفلتت من سنوات من المراجعة البشرية، وترتيب أولويات المخاطر العاجلة وتمييزها عن الضوضاء المعلوماتية، ومساعدة المهندسين على تطوير واختبار الحلول البرمجية بسرعة.
وهناك نافذة زمنية ضيقة يمكن للمدافعين الموثوقين خلالها استخدام أكثر النماذج قدرةً لتعزيز الأنظمة الحيوية، وذلك قبل أن تصبح أدوات مماثلة متاحة على نطاق واسع للمهاجمين. يُطلق على هذه الفترة اسم «نافذة المدافع»، وهي مفتوحة حالياً، لكنها لن تظل كذلك إلى أجل غير مسمى.
ويتطلب اغتنام تلك المرحلة نهجاً حكومياً شاملاً تتضافر فيه جهود كافة مؤسسات الدولة. ورغم الدور الحيوي الذي ستلعبه وزارة الدفاع والوكالات المدنية، إلا أن مجتمع الاستخبارات يجب أن يتصدر جهود الاستجابة بسبب اطّلاعه المتميز للتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة.
ويتعين على مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة أن تبادر طوعاً بتوظيف نماذجها الأكثر قدرة في مهام واقعية تهدف إلى تعزيز مناعة البنية التحتية الحيوية. فهذه المختبرات تمتلك مكانة فريدة تمكنها من فهم نقاط القوة والقيود والمخاطر المرتبطة بنماذجها المتطورة. كما تفرض عليها تلك المكانة مسؤولية الحد من المخاطر التي قد تنشأ عن هذه الأنظمة أو تتفاقم بسببها، والمساعدة في حماية الحكومة منها. لذا، يجب أن يتسم التعاون باتساع وعمق غير مسبوقين، عبر الـ «شراكات جذرية» التي تجمع بين قدرات الحكومة في مجال الاستخبارات وجمع المعلومات، وسيطرة القطاع الخاص على معظم الشبكات والبيانات وأنظمة الحوسبة السحابية، والخبرات العميقة التي تزخر بها الأوساط الأكاديمية.
ويجب ألا تقع هذه الجهود فريسة للنزاعات حول الاختصاصات أو تتحول إلى ساحة للصراعات السياسية والمنافسات التجارية، فسرعة تطور التهديدات تستدعي تعاوناً مستمراً يتجاوز الحواجز المؤسسية والشركاتية.
ولن يكون مجرد توفير إمكانية الوصول إلى نماذج قوية كافياً، فلا يمكن ببساطة تسليم أداة متطورة لمرفق خدمات عامة في بلدة صغيرة أو لمستشفى إقليمي وتوقُّع أن تُحدث تحوّلاً جذرياً في مستوى أمنهم. بل يحتاج مشغّلو البنية التحتية الحيوية إلى التدريب والمساعدة الفنية والدعم اللازم لدمج هذه الأنظمة في سير العمل القائم لديهم.
وتُظهر مبادرات مثل مشروع «ووترشيد 250»، وهو برنامج تجريبي بين ولاية تكساس والحكومة الفيدرالية لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد نقاط الضعف، واكتشاف التهديدات، وحماية مرافق المياه من التهديدات السيبرانية، كيف يمكن لتلك التكنولوجيا أن تعزّز الدفاعات الأميركية. وينبغي ألا يُقاس النجاح بعدد نقاط الضعف التي يكتشفها نظام الذكاء الاصطناعي، بل بعدد الثغرات التي يجري التحقق منها وترتيب أولوياتها ومعالجتها فعلياً.
ولا تحترم التهديدات السيبرانية الحدود، لذلك يجب أن يمتد هذا الجهد إلى حلفاء أميركا. وقد بدأت «أوبن إيه آي» بالفعل في توفير أدوات دفاعية متقدمة وخبرات لمنظمات وحكومات حليفة خضعت للتدقيق. وينبغي توسيع هذه الجهود، مع وضع ضمانات تتناسب مع القدرات المستخدمة. فاكتشاف ثغرة وإصلاحها في شبكة تابعة لحليف يمكن أن يعزّز الأمن في الداخل أيضاً.إنّ الجهود الجارية حالياً ستحدّد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعل الأنظمة الحيوية الأميركية أكثر أماناً أم أكثر عرضة للمخاطر. وليس لدينا وقت لنضيعه، إذ إن النافذة الزمنية المتاحة للمدافعين توشك أن تُغلق.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*الرئيس السابق لوكالة الأمن القومي وقيادة الأمن السيبراني الأميركية