كلما طال الوقت المتاح للاستعداد لكارثة، زادت فرص الخروج منها بأقل قدر من الأضرار. فالأعاصير القمعية قد تتشكل خلال دقائق، بما لا يمنح أي وقت للاحتماء، بينما تمنح الأعاصير المدارية بضعة أيام من التحذير، مما يتيح الانتقال إلى مناطق مرتفعة على الأقل. وتعتبر ظاهرة «النينيو» العملاقة التي يُطلق عليها لقب «غودزيلا» التي تتشكل في شرق المحيط الهادئ كارثة نادرة تنذر بدمار واسع، لكنها قابلة للتنبؤ بدرجة تمنحنا وقتاً للحد من أضرارها. ومن هذه الناحية، تشبه ظاهرة تغير المناخ. وفي الواقع، ستكون هذه الظاهرة بمثابة بروفة أو تدريب عملي للتعامل مع بيئة نجعلها أكثر اضطراباً على نحو دائم. فمهما كانت ضخامة «النينيو» الحالية تاريخياً، فإنها مجرد لمحة مسبقة عما سيصبح أمراً معتاداً في المستقبل القريب.
ويعمل نمط «النينيو» المناخي كصمام ضخم لتنفيس الحرارة عندما ترتفع حرارة شرق ووسط المحيط الهادئ أكثر من اللازم. وحتى وقت كتابة المقال، كانت حرارة هذا النطاق من المحيط أعلى بنحو 3.3 درجة مئوية من متوسطها على المدى الطويل، محطمة جميع الأرقام القياسية لهذه المرحلة من تطور الظاهرة.
ولا يتوقع العلماء بلوغ الحرارة ذروتها قبل نهاية العام، وعندها يُرجح أن تكون أقوى ظاهرة من نوعها خلال ألف عام. وتحول هذه الطاقة الإضافية المتدفقة إلى الغلاف الجوي الظاهرة إلى مصنع للكوارث، إذ تنشر الحرارة حول العالم وتتسبب في فيضانات ببعض المناطق وجفاف في أخرى. ولا يمكن الجزم بحدوث هذه الظواهر نظراً للطبيعة الفوضوية المتقلبة وغير المتوقعة للطقس؛ إذ يمكننا، مثلاً، أن نشكر «النينيو» العملاقة على غياب موسم الأعاصير الأطلسية العام الحالي. لكن ظواهر «النينيو» الأقوى تجعل التأثيرات الإقليمية المعتادة أكثر ترجيحاً.
وقد تتبع عالم المناخ زيك هاوسفاذر تأثيرات الطقس المحلية المتوقعة لأقوى ثماني ظواهر «النينيو» منذ خمسينيات القرن الماضي، فوجد أنها حدثت في 86% من الحالات. وحدثت بعض التأثيرات في كل مرة، مثل زيادة هطول الأمطار الشتوية في جنوب شرق الولايات المتحدة، والدفء الشتوي غير المعتاد في وسط كندا، والجفاف الممتد في منطقة الأمازون. ولأنه يمكن التنبؤ بتلك الأحداث بدقة، ظهرت صناديق تحوط تراهن عليها، فيما بدأ مديرو أموال مثل «تي. رو برايس» محاولة الحد من الخسائر التي قد تلحق بمحافظهم في الأسواق الناشئة.
وينطبق الأمر نفسه على تغير المناخ عموماً، الذي تتسم تأثيراته بقابلية أكبر للتنبؤ وعمق أكبر من أي ظاهرة «النينيو». وتُقدر قيمة الشركات العاملة في الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة وغيرها من الأنشطة الصديقة للمناخ بنحو 10 تريليونات دولار، ما يجعلها ثالث أكبر صناعة بعد التكنولوجيا والصناعات.
أما على المدى القصير المرتبط بظاهرة «النينيو» الحالية، فلا ينبغي أن تكون الأولوية القصوى للمجتمع هي جني الأرباح، بل ضمان توفير الغذاء للناس.
فقد حذرت الأمم المتحدة من أن موجات الحر الشديد والجفاف والفيضانات في مناطق زراعة الحبوب الرئيسة، من الأرجنتين إلى إندونيسيا، ستضر بإنتاجية المحاصيل وتدفع 49 مليون شخص إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول فبراير 2027.
وتسببت ظاهرة «النينيو» في 1887-1888، التي كانت الأقوى المسجلة آنذاك، في مجاعات أودت بحياة نحو 50 مليون شخص، أي قرابة 4% من سكان العالم حينها. ورغم تحسن الزراعة والتنبؤ بالطقس خلال القرن التالي، تسببت ظاهرة «النينيو» الهائلة التي حدثت بين 1982-1983 في أسوأ كارثة زراعية عالمية في التاريخ المسجل، وفق دراسة لجامعة كولومبيا عام 2019، التي وصفت «النينيو» بأنها النمط المناخي الوحيد القادر على التسبب في فشل متزامن للمحاصيل عالمياً.
وبالطبع، ستكون الفئات الأكثر ضعفاً في العالم هي الأكثر تضرراً من نقص الغذاء، لكن لا يوجد متجر بقالة بمنأى عن الأزمة. كما ستضاف أضرار «النينيو» إلى ما أحدثه تغير المناخ بالفعل؛ إذ أسهمت كوارث المناخ في 12 ارتفاعاً على الأقل في أسعار الغذاء خلال العامين الماضيين. ورغم أن «النينيو» بدأت بالفعل في التأثير على المحاصيل، بما في ذلك تقليص موسم زراعة الأرز في الهند، فلا تزال أمامنا بضعة أشهر لتجنب خسائر أكبر.
ويعدل المزارعون في البرازيل أساليب إدارة التربة والمحاصيل، بينما أنفق برنامج الأغذية العالمي 14 مليون دولار لمساعدة الدول على الاستعداد، متوقعاً وفورات بين 3 و7 دولارات مقابل كل دولار يُنفق. ومن الرائع لو ألهمت تلك الأرقام أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في القضاء على الجوع العالمي بنفس الحماس الذي يبدون به عند تأسيس صناديق تحوط بقيمة 500 مليون دولار. وتنطبق الحسابات نفسها على الاحترار العالمي؛ فوفق أحد التقديرات، سيؤدي تجنب أسوأ آثاره إلى الحفاظ على 20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقابل كل درجة مئوية من الاحترار يتم تفاديها، أي نحو 25 تريليون دولار سنوياً.
ظاهرة «إلنينيو» تؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر في كاليفورنيا تقريباً بين عشية وضحاها، وفق تحذيرات دانيال سوين، عالم المناخ في جامعة كاليفورنيا، في وقت تتعرض فيه بنية الولاية التحتية بالفعل لتهديد ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب الاحترار العالمي.
كما قد ترفع الحرارة الناتجة عن الظاهرة متوسط درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية، وربما إلى درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية لفترة قصيرة، ما قد يؤدي إلى 451 ألف وفاة إضافية.
ورغم ضرورة سعي الحكومات لمنع تلك الوفيات، إلا أنه عليها أيضاً العمل على حماية العالم من الوصول الدائم إلى عتبة ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ وهو أمر سنبلغه قبل عام 2050 إذا استمرت معدلات انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي على حالها الراهن.
والأهم أن المحيط بأكمله أصبح أكثر حرارة من أي وقت مضى في التاريخ البشري المسجل، فيما تتسارع وتيرة ارتفاع حرارته. ولهذا اضطر العلماء إلى تغيير طريقة قياس حرارة «النينيو». وفي مرحلة ما، سيختفي الفارق بين الكوارث قصيرة الأجل والكوارث طويلة الأجل.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ