تابعتُ جانباً من أعمال الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة في دورتها الـ81، والتي تواصلت على مدار عدة أيام في المقر الرئيسي للمنظمة بنيويورك، واستمعت للخطاب الوداعي الذي ألقاه الأمين العام أنطونيو غوتيريش (تنتهي ولايته في ديسمبر 2026)، حيث غلبت عليه الصراحة الصادمة في التحذير من خطر الانزلاق نحو الفوضى والتنصل من الالتزامات القانونية والأخلاقية.
إلا أن ما أود التركيزَ عليه هنا، يتعلق بذلك الحضور المميز للإمارات والزخم الكبير الذي أحدثه وفدُها بمشاركته الفاعلة في المشاورات وطرحه لرؤيته الواضحة لمختلف القضايا. وفي هذا السياق ركزت كلمةُ الإمارات التي ألقاها معالي خليفة شاهين المرر، وزير الدولة بوزارة الخارجية، على وضع حلول عملية لكل الأزمات، وفق نهج قائم على مبادئ خفض التصعيد وبناء الجسور وتعزيز الدبلوماسية والحوار والتسوية السلمية للنزاعات.
الحضور الإماراتي البارز، حمل الكثير من المعاني والدلالات والرسائل التي تعكس قوة الدبلوماسية الإماراتية وعمق علاقاتها الدولية، بفضل النهج القويم الذي تسير عليه القيادة الرشيدة، وحرصها على التعاون مع الجميع ومد اليد بالخير للكل بما يعود بالنفع على الشعوب، ويسهم في دعم استتباب الأمن والسلام العالميين.
الوفد رفيع المستوى برئاسة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، ضم قامات وطنية لها حضورها المميز في مجالاتها على المستوى الدولي، مثل معالي أنور قرقاش، ومعالي سلطان الجابر، ومعالي ثاني الزيودي، وغيرهم من الوزراء وكبار المسؤولين.
ذهبت الإماراتُ بأجندة واضحة ومدروسة، فلم يكتف الوفد بحضور الجلسات الرسمية، وظهرت فرق العمل في مواضع عدة بدأها عميد الدبلوماسية الإماراتية سمو الشيخ عبد الله بن زايد بعقد سلسلة من اللقاءات مع رؤساء الوفود وقادة الدول، وتناولت تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة (خاصة ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي)، إلى جانب بحث الشراكات الاقتصادية بين الشرق الأوسط وأفريقيا ومستقبل الاقتصاد العالمي.
ولأن الإنسان هو محور اهتمامها وتركيزها، كان حضور الإمارات مبهراً كعادتها في الملفات الإنسانية، فقد شاركت معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي، في اجتماع «الشراكة العالمية من أجل التعليم»، ودعمت اللقاء لأجل حشد الموارد للصندوق العالمي الرائد متعدد الأطراف المعني بالتعليم، فيما جددت معالي الدكتورة آمنة الضحاك، وزيرة التغير المناخي والبيئة، التزام الإمارات بدعم الجهود الدولية لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري وإنقاذ الأرض.
لا شك في أن هذه الصورة متعددة الأبعاد تعكس طبيعة السياسة الخارجية الإماراتية التي تنظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها منظومةً متكاملةً؛ فالاستقرار السياسي لا ينفصل عن التنمية، والتنمية لا تنفصل عن الاقتصاد والتكنولوجيا، والأمن لا ينفصل عن الغذاء والمياه والمناخ.
وبهذا النمط، تقدم الإمارات نفسها نموذجاً فريداً يطرح رؤاه نحو بناء الجسور والتعاون لخدمة البشرية بدلا من الصراع والنزاع الذي لا يخلف سوى الخراب والدمار، في وقت يمر فيه العالم (ومنطقتنا في القلب منه)، بمرحلة تتسارع فيها التحولات، وتتعاظم فيها التحديات والانقسامات.
ومواقف الإمارات تأتي من منطلق التزامها الثابت بأهمية العمل الدبلوماسي، والإيمان المطلق بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والأمن والسلام، والتوصل إلى حلول ممكنة للأزمات القائمة من خلال تعزيز جهود تسوية النزاعات، وإرساء الاستقرار، وترسيخ قيم التعايش والتسامح.
المجال لا يتسع للإلمام بتفاصيل اللقاءات والاجتماعات التي رصدتها وسائل الإعلام، لكن لا أتصور أن وفداً آخر قام بمثل هذا الجهد الكبير الذي بذله وفد الإمارات، لذا يلزمنا توجيه التحية لكل مَن شارك في رسم هذه الصورة البديعة، ليبقى هذا الحضور الباهي شاهداً على قوة دبلوماسية بُنيت على مدى عقود، وعلى عمق علاقات دولية تجعل من الإمارات جسراً بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب، وبين الحاضر والمستقبل.
ومن المدهش أن الإمارات لم تكتف بالحضور النشط في مقر الهيئة الأممية، لكن بالتزامن مع ذلك احتضنت أبوظبي مؤتمرَ الأمم المتحدة الـ15لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، وخلاله جددت الدولةُ التزامَها بدعم وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة الجرائم العابرة للحدود، بما يكفل تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية المستدامة، كما جاء في البيان الختامي «إعلان أبوظبي».
وبكل تأكيد فهذا الزخم يعكس مكانةَ الإمارات، ويؤكد حجمَ الثقة الدولية التي تتمتع بها لدى جميع الأطراف، ويؤكد صحة النهج الذي اتخذته القيادة الحكيمة، في ضوء إيمانها بأن توطيد أركان التعاون الدولي هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات العالمية المتسارعة ووضع حد لمعاناة البشرية جراء الحروب والنزاعات.