كتب مستشار العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض ديفيد ساكس منذ أيام إن الاقتصاد الأميركي في عهد دونالد ترامب قوي. وكانت الأرقام التي استند إليها في تقييمه دقيقة، إذ أظهرت بيانات جديدة تسارع النمو بوتيرة تفوق التوقعات خلال الربع الثاني من العام الحالي، وجاء معدل التضخم أقل من المتوقع، كما كانت وتيرة خلق فرص العمل قوية، على حد قوله. وبعد حديثه، أعلنت الحكومة أن معدل البطالة بلغ 4.2%، وهو مستوى أدنى من المتوسط المسجل في أي عقد من العقود الثمانية الماضية. ومع ذلك، لا يزال الرأي العام مستاء من الاقتصاد.
وفي استطلاع للرأي شمل ناخبين أميركيين محتملين، فاق عدد من يصفون الاقتصاد بأنه «ضعيف» أو «متواضع» عدد من يصفونه بأنه «جيد» أو «ممتاز» بنسبة تقارب 3 إلى 1. وقد ترجع تلك المعنويات المنخفضة إلى إخفاقات الحزب «الجمهوري» في التواصل، وإلى «السلبية المستمرة من جانب وسائل الإعلام التي تكره ترامب».
لكن هناك تفسيراً أبسط، فالأسعار مرتفعة للغاية ولا تزال ترتفع بوتيرة متسارعة. لذلك تراجعت الأجور الحقيقية. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الرئيس دونالد ترامب أقر بعض السياسات التي ترفع الأسعار، وأرسل إشارات كثيرة أخرى إلى أن خفض الأسعار ليس أولوية قصوى بالنسبة إليه، وقلّل مراراً من شأن المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة، فلا عجب أن الناخبين غير راضين.
وليس مستغرباً أيضاً أن محاولات «الجمهوريين» الترويج لهذا الأداء الاقتصادي، أو التنصل من المسؤولية عنه، لا تلقى صدى. فارتفاع سوق الأسهم خبر جيد، لكن الأجور أهم من الأسهم بالنسبة إلى معظم الأسر. والبطالة منخفضة، لكن باستثناء فترات الركود الحادة، فإن عدد الناخبين الذين يشترون اللحوم أكبر من عدد الذين يواجهون صعوبة في العثور على وظيفة أو الاحتفاظ بها. كما أن انخفاض معدل الفقر إلى مستوى قياسي خبر رائع، لكن الغالبية العظمى من الناخبين ليست فقيرة أيضاً.
وبحسب أحدث قراءة، يبلغ التضخم 3.4%. ومن سبعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته، كان الأميركيون سيرحبون بهذا المعدل باعتباره منخفضاً. لكن السياق مختلف اليوم. فقد اعتاد الأميركيون على التضخم المنخفض بين عامي 2009 و2020، عندما بلغ متوسطه نحو 1.6%. ثم قفزت الأسعار صعوداً، ولا سيما خلال النصف الأول من ولاية الرئيس جو بايدن. ورغم تباطأ معدل التضخم في النصف الثاني من العام، لكنه ظل أعلى من المستويات المعتادة سابقاً.
لقد استمر مستوى التضخم، واستمر استياء الجمهور من الأسعار المرتفعة والمتصاعدة. ورغم أن التضخم أقل بكثير من ذروته المسجلة في عام 2022، فإن ذلك ليس المعيار الأهم بالنسبة للناخبين، إذ يبدو أنهم يقيّمون أداء الرئيس بناء على الوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية لعام 2024، حين أقر بأن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية وتعهد بخفض الأسعار.
ولم تواكب الأجور هذا الارتفاع. ويفتخر «الجمهوريون» بتقرير مكتب الإحصاء الشهر الماضي، والذي أظهر أن متوسط الدخول الحقيقية قد بلغ مستوى قياسياً. لكن التقرير يغطي عام 2025. وباستخدام بيانات مكتب إحصاءات العمل، تشير التقديرات إلى أن متوسط الأجر الحقيقي بلغ ذروته في نوفمبر الماضي، ثم تراجع بعدها.
ومع ذلك، فإن هذا التقدير نفسه يقلّل من حجم المعاناة الاقتصادية التي تحمل أهمية سياسية، فمعدل التضخم الرسمي يقيس أسعار السلع والخدمات فقط، ولا يأخذ في الحسبان تكلفة الاقتراض لتمويلها، رغم أن الغالبية يعتبرون تأثير أسعار الفائدة جزءاً من التضخم.
ويشبه إحباط «الجمهوريين» من السياسة المرتبطة بالاقتصاد ما شعر به «الديمقراطيون» خلال إدارة بايدن. فقد استشهدوا هم أيضاً بالكثير من المؤشرات الإيجابية، واختلقوا تفسيرات لعدم تقدير الناخبين لمدى جودة أداء الاقتصاد. لكن هذه التفسيرات أغفلت المؤشرين الأكثر أهمية: معدل التضخم والأجور المعدلة وفقاً للتضخم.
وهناك مقارنة أقرب حتى إلى الطريقة التي نظر بها «الجمهوريون» إلى الاقتصاد عام 2006. فآنذاك، كما هو الحال الآن، كانوا يتجهون إلى انتخابات التجديد النصفي الثانية لرئيس «جمهوري»، مع احتفاظهم بأغلبية في مجلسي الكونغرس. وكان الناخبون يتفاعلون سلباً مع الفساد، وحرب غير شعبية، وارتفاع أسعار البنزين، كما هو الوضع حالياً. وأشار «الجمهوريون» إلى عدة مؤشرات إيجابية، من بينها انخفاض معدل البطالة ومستوى نمو اقتصادي مقبول. ووصف المعلق الاقتصادي لاري كودلو ذلك الازدهار بأنه «أعظم قصة لم تُرو قط»، وهو الوصف ذاته الذي يستخدمه مجدداً العام الجاري.
ومع ذلك، لم يشعر أغلب الأميركيين بازدهار اقتصادي، إذ لم تعد رواتبهم تفي باحتياجاتهم كما كانت تفعل قبل خمس سنوات. وقد تراجعت شعبية الرئيس، كما خسر الجمهوريون السيطرة على كل من مجلسي النواب والشيوخ.وقد يكون الناخبون غير منصفين لترامب وحزبه. فالتضخم الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة ليس خطأهما في أغلبه. لكن الأمر نفسه ينطبق على التضخم المفرط الذي شهدته البلاد عندما كان بايدن رئيساً، والذي أسهم كثيراً في وصول ترامب إلى الرئاسة. وفي الحالتين، يتحمل مجلس الاحتياطي الفيدرالي قدراً أكبر من المسؤولية. ولدى استياء الناخبين من الاقتصاد أساس منطقي، ولم يقل أحد إن السياسة تتسم بالإنصاف.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*باحث في «معهد أميركان إنتربرايز»