تقع مدينة «ميل سيتي» في ولاية أوريغون وسط رقعة متنوعة الألوان من المساحات الخضراء. فعلى امتداد ملايين الأفدنة عند سفوح جبال «كاسكيد»، تتداخل الغابات المعمرة، المغطاة بطبقات كثيفة من الطحالب، مع اللون الأخضر الفاتح للأشجار الصغيرة التي تتعافى بعد عمليات قطع الأخشاب والحرائق.
وتتخلل هذه المساحات شبكة من الطرق.وشُيدت أغلب طرق الغابات تلك في القرن الماضي لنقل أشجار «التنوب» العملاقة والمعمرة إلى المصانع التي استمدت منها المدينة اسمها. واليوم، لم يتبق سوى مصنعين اثنين، بينما أصبحت تلك الطرق المتهالكة تشكل عبئاً تشغيلياً هائلاً فيما يتعلق بأعمال الصيانة بالنسبة لـ «هيئة الغابات الأميركية».
وقد فاقم حريق «بيتشي كريك» الهائل عام 2020 من حدة المشكلة، إذ ألحق أضراراً بالطرق، وكذلك بمدينة «ميل سيتي» وبلدات أخرى مجاورة.فهل ستساعد زيادة الطرق مناطق مثل «ميل سيتي» أم تضر بها؟ وتقترح إدارة ترامب إلغاء «قاعدة المناطق الخالية من الطرق»، التي تحظر إنشاء الطرق والعديد من أشكال إدارة الغابات على 45 مليون فدان من الغابات الوطنية.
وقد تُلغى القاعدة من بداية العام المقبل. ويقول مؤيدو الخطة، إن إدارة هذه المناطق بصورة نشطة ستساعد في الحد من مخاطر حرائق الغابات، بينما يخشى دعاة الحفاظ على البيئة أن تؤدي الطرق الجديدة إلى الإضرار بالغابات التي تؤوي أنواعاً مهددة من الحياة البرية، فضلاً عن توفيرها مياه الشرب وغيرها من الفوائد البيئية. وتستمر فترة تلقي التعليقات العامة حتى 6 أكتوبر الجاري.لكن الطرق المتداعية حول «ميل سيتي» تبرز أحد الأسباب الرئيسية لإقرار القاعدة عام 2001، وهي أن هيئة الغابات لا تستطيع تحمل تكاليف صيانة الطرق الموجودة لديها بالفعل.وتوسعت شبكة الطرق في الغابات الوطنية، إلى حد كبير لتسهيل استغلال الغابات القديمة الغنية بالأشجار، من 165 ألف ميل في خمسينيات القرن الماضي إلى نحو 400 ألف ميل في تسعينياته.
وبحلول ذلك الوقت، كان قطع الأخشاب من الأراضي الفيدرالية قد انخفض بشدة، بينما خلفت شبكة الطرق المتسعة عبئاً ثقيلاً على الهيئة تتمثل في أعمال صيانة مؤجلة بنحو 10.5 مليار دولار. وخلصت قيادة الهيئة إلى أن إنشاء طرق للوصول إلى المناطق النائية سيحقق عوائد اقتصادية متناقصة، مقابل تكاليف متزايدة، في وقت تصاعد فيه الضغط لحماية المناطق الخالية من الطرق.وتفتقر هيئة الغابات حالياً إلى القدرة على صيانة الطرق وتنفيذ مشروعات الحد من الحرائق واستعادة الغابات بالحجم المطلوب. فما زال عدد الطرق مماثلاً تقريباً لما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، ولا تزال هناك أعمال صيانة مؤجلة بنحو 7 مليارات دولار. كما تواجه الهيئة تراكماً في أعمال ترميم مساحة 80 مليون فدان من الغابات، إلى جانب أزمة في الميزانية وفقدان أعداد كبيرة من الموظفين خلال إدارتي بايدن وترامب، ما أضعف قدرتها على خفض مخاطر الحرائق من خلال إجراءات مثل تخفيف كثافة الأشجار والحرق الموصوف.ولحماية الغابات الأميركية، تحتاج هيئة الغابات إلى استعادة قدرتها على التحرك.
ويمكن موازنة تكاليف وفوائد إنشاء طرق جديدة. فقد يؤدي إلغاء القاعدة التي تحظر إنشاء الطرق في مناطق الغابات، إلى زيادة إنتاج الأخشاب، وهو هدف لإدارة ترامب ومصدر قلق لدعاة الحفاظ على البيئة، لكن الزيادة ستكون محدودة لأن أفضل مناطق إنتاج الأخشاب مخدومة بالطرق بالفعل. وتميل الحرائق في المناطق الخالية من الطرق إلى أن تكون أكبر وأكثر تكلفة في المكافحة، وقد يسهل الوصول عبر الطرق مكافحة الحرائق والوقاية منها.
لكن هذه المناطق تضم أيضاً عدداً أقل من المنشآت، ما يقلل مخاطر الحرائق على الممتلكات. كما يرتبط وجود الأشخاص والمركبات بالقرب من الطرق باندلاع حرائق بمعدل يزيد نحو أربعة أضعاف، بسبب نيران المخيمات والسجائر والشرر المتطاير من الهياكل السفلية للمركبات.وتتداخل نحو 7 ملايين فدان من المناطق الخالية من الطرق مع «منطقة انتقال الحرائق»، حيث يمكن للحرائق أن تمتد إلى المنازل. وينبغي استهداف هذه المناطق بإجراءات وقائية كل 10 إلى 30 عاماً، وهو ما يتطلب طرقاً دائمة لنقل الأشخاص والآلات. كما قد تتطلب استعادة النظم البيئية المتدهورة طرقاً مؤقتة. لذلك، فإن تخفيف القيود في هذه المناطق تحديداً قد يكون منطقياً.ومن الحلول المقترحة تبني نهج «المناطق الخالية من الطرق مع هامش للمناورة»، بحيث تتفاوض الولايات على قواعد أكثر مرونة للغابات الوطنية داخل حدودها.
فقد وضعت أيداهو وكولورادو قواعد بالتعاون مع هيئة الغابات تسمح بطرق مؤقتة لمشروعات الوقاية من الحرائق واستعادة النظم البيئية.لكن هذا الحل يواجه عقبات سياسية وقانونية. فقد تقدمت ولايتا ألاسكا ويوتا بطلبات لوضع قواعد خاصة، وواجهتا تحديات قضائية وإدارية.
وفي مقترحها لإلغاء القاعدة، قالت إدارة ترامب إنها تؤيد طلبات جديدة من الولايات، وربما حان الوقت أمامها للمحاولة مجدداً.وينبغي إدارة الغابات الأميركية بما يضمن سلامتها على المدى الطويل، مع الحفاظ على الفوائد الواسعة للمناطق الخالية من الطرق وإتاحة مرونة محددة لحماية النظم البيئية. ورغم أن القاعدة الحالية تتسم بالجمود، إلا أنها أدت دوراً بالغ الأهمية، لذا فإن تجاهل الدروس المستفادة منها لن يؤدي إلا إلى تعريض غابات أميركا والمجتمعات التي تعتمد عليها للخطر.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*عالمة بيئة متخصصة في الحياة البرية وباحثة أولى في مركز أبحاث الملكية والبيئة.