قامت العديد من الدول المتقدمة بتبني الاقتصاد القائم على المعرفة، وبالتالي تحولت نظرة المشرِّع وصاحب العمل، والمجتمع ككل، نحو التعليم باعتبار المؤسسات التعليمية الركن الأساس في إعداد وتأهيل الطلبة لسوق العمل، بصرف النظر عن نظام التعليم الذي تتبناه هذه المؤسسات. والمقصود هنا تحديداً مؤسسات التعليم العالي ونظيرتها في التعليم المهني. 
وقد تناولنا في المقال السابق أهميةَ الربط بين التعليم العالي والتعليم المهني والتجارب الناجحة لبعض الدول، وتحديداً ألمانيا والنمسا وأستراليا وكندا والصين في هذا المجال. وهنا يسترعي انتباهنا ما حصدته تجربةُ دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال. فقد كانت الإماراتُ سباقةً إلى إرساء نظام تعليم عالي ومهني يلبي الاحتياجات المتسارعة والمتغيرة لسوق العمل. وكانت نظرة المشرع الإماراتي دائماً ما تركز على إنشاء مؤسسات التعليم العالي التي تمنح درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، إلى جانب الدبلومات الأكاديمية، فضلاً عن مؤسسات التعليم التي تمنح الشهادات المهنية. وأبرز الأمثلة على ذلك إنشاء كليات التقنية العليا في عام 1988، والتي تمنح شهادات البكالوريوس والدبلوم للطلبة المواطنين، بجانب إنشاء معهد أبوظبي للتعليم والتدريب المهني في عام 2007. ثم تلا ذلك تأسيس مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني في عام 2010. ولكي يتم استكمال المظلة التشريعية، تم تأسيس الهيئة الوطنية للمؤهلات في عام 2010 بهدف تنظيم قطاع التعليم والتدريب المهني وربطه بالتعليم العالي. ولقد تحولت الهيئة لاحقاً إلى المركز الوطني للمؤهلات تحت مظلة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ويضطلع المركز بمهمة إدارة وتفعيل الإطار الوطني للمؤهلات بكافة مستوياته، بجانب وضع السياسات والمعايير التي من شأنها الارتقاء بمنظومة التعليم والتدريب التقني والمهني في الدولة.
وتعمل كافة تلك المؤسسات التعليمية، باختلاف نُظمها ومناهجها، على تلبية احتياجات سوق العمل الحكومي والخاص في دائرة متصلة تبدأ بالتعليم وتنتهي بسوق العمل وينتفع بمخرجاتها المجتمع. 
وعلى ضوء هذه التجربة فإنه من الضروري أن يتم تقليص أي فجوة بين التعليم العالي والتعليم المهني في الدولة، وذلك أسوةً بتجارب الدول المذكورة أعلاه، لكي يتكامل العمل بين النظامين التعليميين. ولنا في تجربة كليات التقنية العليا حالياً النموذج الناجح في تجسير الهوة بين التعليمين العالي والمهني. فالكليات تعمل على منح الطلبة المواطنين درجات الدبلوم في العديد من التخصصات الحيوية لسوق العمل في الدولة، على أن يتم منح الفرصة للخريج لخوض غمار العمل ثم الانتساب للجامعات المحلية التي تربطها اتفاقيات مع كليات التقنية العليا لاستكمال دراسة البكالوريوس أو الالتحاق مباشرة بها بعد إنهاء دراسة الدبلوم في الكليات. وذلك كله بناءً على نظام مواءمة المساقات الدراسية بين الكليات والجامعة المحلية واعتماد الساعات الأكاديمية ومصادقة مفوضية التعليم الأكاديمي على ذلك.إن تجربة كليات التقنية العليا المتميزة تقوم على مبدأ هام ألا وهو توسيع نظام الدبلومات لمنح الفرصة للمواطن للالتحاق بسوق العمل وتأمين مستقبله المالي واكتساب الخبرات المهنية، مع حفظ حقه في استكمال دراسته لاحقاً. وفي ظل ديناميكية سوق العمل في الإمارات والتغيرات المتسارعة فيه نجد أن ثمة حاجة ماسة إلى تبني تجربة كليات التقنية العليا والتي تسهم في بناء قاعدة قوية من الكوادر الوطنية المتسلحين بالعلم والعمل.

*باحث إماراتي