عشرون عاماً، وباعتمادات تجاوزت عشرة مليارات دولار، وقوة دولية تنتشر في جنوب لبنان تحت مظلة الأمم المتحدة. حصيلة ثقيلة، لكنها لم تُنتج واقعاً أمنياً يوازيها. احتفظ «حزب الله» بسلاحه وقراره العسكري، وجاءت الحرب لتكشف أن سنوات الهدوء لم تعالج جوهر الخلل، وأن ما تأجّل انفجاره عاد بكلفة أكبر على الشعب اللبناني. أُنشئت اليونيفيل عام 1978، ثم توسّعت مهمتها بعد حرب يوليو 2006 بموجب القرار 1701 لمراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني، والمساعدة في تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب.
وبعد عِقدين، تصبح النتائج أهم من تعداد الدوريات والأنشطة. وهنا تكمن مفارقة المهمة الغامضة: صلاحيات محددة، وانتشار واسع، وموارد ضخمة، أمام واقع أمني ابتعد عن الغاية التي استدعت هذا الحضور. أسهمت اليونيفيل في خفض التوتر ومنع الاحتكاكات من التحول إلى مواجهات أوسع، لكن الهدوء لم يصبح استقراراً دائماً.
وخلال انتشارها، واصل «حزب الله» تطوير قدراته العسكرية وتسليحه، ما يضع اليونيفيل أمام مساءلة عن كفاءة مراقبتها وكشف التجاوزات والتعامل معها. ولم تكن المؤشرات خافية. فقد أظهرت التقارير مستودعات أسلحة وأنفاقاً وميادين رماية ومنصّات صواريخ، كما وثّقت اعتراض الدوريات والاعتداء عليها. وهذه الوقائع تضع أداء اليونيفيل تحت الاختبار: مدى حزمها حين قُيدت حركتها، وتعاملها مع المواقع التي تعذّر الوصول إليها، واستخدامها الصلاحيات المتاحة.
لم تكن اليونيفيل مكلَّفة بخوض حرب لنزع سلاح «حزب الله» أو الحلول محل الدولة اللبنانية، لكن تفويضها منحها أدوات للمراقبة والتحقق وحماية حرية حركتها ومقاومة محاولات منعها بالقوة. لذلك تنصرف مساءلتها إلى كيفية استخدام ما أُتيح لها، لا إلى ما لم تُكلف به. ولا يكفي تسجيل المنع في التقارير، فتعطيل الوصول يضرب القدرة على المراقبة والتحقق، وكان يقتضي معالجة أكثر حزماً ورفع أثره إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
وقد أكد القرار 2695 لعام 2023 أن اليونيفيل لا تحتاج إلى إذن أو موافقة مسبقة لتنفيذ مهامها، وأنها مخوّلة إجراء عملياتها بصورة مستقلة. وتبقى اليونيفيل في قلب المراجعة. فبعد عشرين عاماً، لا يمكن تفسير النتيجة كلها بصعوبة البيئة السياسية أو ضعف الدولة المضيفة. بقاء مواقع خارج نطاق التحقق، وتعطيل المراقبة، واستمرار بنية عسكرية في منطقة العمليات، مؤشرات تفرض فحص كفاءة القوات وصرامة القيادة وجودة الرقابة.
وحين يستمر هذا الوضع سنوات، لا يعود مجرد عائق ميداني، بل دليلاً على قصور في أداء المهمة نفسها. وتكشف حصيلة اليونيفيل خللاً أوسع في تصميم بعض مهام حفظ السلام. فالانتشار الدولي في البيئات المعقّدة يحتاج إلى قوات عالية التدريب والجاهزية والخبرة العملياتية، وإلى رقابة مستقلة وتقييم دوري يربط استمرار المهمة بنتائجها. كما ينبغي أن تكون كفاءة الدول المساهمة بقوات معياراً أساسياً في تشكيل البعثات، لأن نوعية القوة عنصر حاسم في قدرتها على تنفيذ ما كُلفت به.
ووفق القرار 2790 تنتهي عمليات اليونيفيل في 31 ديسمبر 2026، ويعقب ذلك انسحاب منظم خلال عام. لكن نهاية المهمة يجب ألا تغلق ملفها، بل أن تفتح مراجعة صريحة لتجربة امتدت عقدين. وعند إسدال الستار على المهمة، سيحمل كثير من قادة اليونيفيل ومنتسبيها أوسمة الأمم المتحدة عن خدمتهم، فيما يبقى للبنانيين إرث أكثر قسوة: قرى ومدن مدمرة، وآلاف القتلى، وأكثر من مليون نازح في ذروة التصعيد.
قد تكون الأوسمة مستحقة لمن أدى واجبه، لكنها لا تُمثِّل شهادة نجاح لمهمة يجب أن تُقاس بما حققته للبنان من أمن واستقرار.
فالقوات الدولية لا تُقاس بطول بقائها، بل بما تتركه وراءها. وإذا غادرت اليونيفيل فيما بقيت أسباب الصراع قادرة على إنتاج الأزمة نفسها، فالحصيلة واضحة: نجحت في احتواء التوتر في مراحل، لكنها لم تغيّر الشروط التي تسمح بعودته. وعندها تصبح المحاسبة واجبة عن الأداء والقيادة والرقابة والقرارات التي أبقت المهمة مستمرة من دون أثر يوازي زمنها وكلفتها. فالوجود الدولي الذي يدير الخطر من دون أن يغيّر مصادره لا يصنع سلاماً مستقراً، بل يؤجّل انفجار الأزمة إلى مواجهة أكثر كلفة.
*كاتب وباحث إماراتي