خلال رحلة عائلية، وأثناء تنقُّلنا بالسيارة بين دولتين في الغرب، اقترحت أسرتي التوقف لتناول الغداء في مدينة جميلة، وأثناء استمتاعنا بالطعام استعنت بأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لمعرفة المزيد عن هذه المدينة، فاسترعى انتباهي جسرٌ تاريخي، فقررت أن أعرِّج عليه قبل العودة إلى مسار وجهتنا الأصلية، معتمداً على خبرتي ومهاراتي دون الاعتماد على تطبيقات الخرائط، لكن تلك الثقة قادتني إلى طريقٍ ممنوعٍ الدخولُ فيه، لأجد نفسي بين عددٍ من المركبات التي أوقفها شرطيُّ المرور لتحرير المخالفات بحق سائقيها. تقدم الشرطي الشاب نحوي، وأبلغني بهدوء أنني خالفت الأنظمة.
حاولت أن أوضح له أن الأمر لم يكن مقصوداً، لكنه أكد أن القانون يُطبَّق على الجميع. فأخبرته: إن كان لا بدّ من المخالفة، فأنا المسؤول عن السيارة التي خلفي، حيث يقودها أخي، والتي تليها ويقودها ابني، وأننا نسافر معاً كأسرة واحدة. أخذ أوراقي وغادر، ثم عاد بعد دقائق حاملاً مفاجأة لم أتوقعها. قال لي: «لن أحرر مخالفة بحقكم! ولكن أريدك أن تعرف السبب!». وأضاف قائلاً: «أنا أتجاوز عن المخالفة بسبب جمال ما رأيته فيكم كأسرة واحدة. أنتم أسرة تسافر معاً، أبٌ وأبناؤه، وأخوه وعائلته، في رحلة واحدة. لقد أعجبني هذا الترابط». ثم أكمل قائلاً: «إن الكثير من أبناء جيلي باتوا منشغلين بعالمهم الفردي وبوسائل التواصل الاجتماعي إلى درجة جعلت الأغلب لا يرغب في تكوين أسرة، فلم يَعُد إيجاد شريك حياة أمراً سهلاً».
غادرت المكان دون مخالفة، لكنني خرجت بفكرة أعمق من أي غرامة مرورية. أدركت أن ما نعدّه أمراً طبيعياً في حياتنا اليومية قد أصبح، في أماكن أخرى، حلماً يتطلع إليه الكثيرون، وأن اجتماع الأسرة حول مائدة واحدة، أو في رحلة، أو مناسبة عائلية، هو نعمة حقيقية لا ندرك قيمتها إلا حين نراها بعين من يفتقدها. لذلك، عندما أعلنت قيادتنا الرشيدة عام 2026 «عام الأسرة»، لم يكن الأمر مجرد شعار أو مناسبة عابرة، بل تأكيداً لرؤية وطنية تؤمن بأن المجتمع المتماسك يبدأ من الأسرة المتماسكة. فالإسلام جعل الأسرة أساس الاستقرار الإنساني، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
واستحضرت موقفاً آخر حدث في عام 2005، عندما دعوت زميلين أجنبيين إلى منزلي، وما إن دخلا المجلس حتى بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. تساءلا عن سر تخصيص هذه المساحة الواسعة داخل المنزل، فشرحت لهما أن المجلس ليس مكاناً للضيافة فحسب، بل مساحة تلتقي فيها الأسرة والأقارب والجيران، وتُنسج فيه العلاقات الاجتماعية التي حافظت على قوة المجتمع الإماراتي عبر الأجيال. وحين أخبرتهما بأن أفراد عائلتنا الكبيرة يجتمعون في عطلة نهاية الأسبوع في منزل والدي، ازداد استغرابهما، وعلّق أحدهما: «لدي إخوة، أحياناً لا ألتقي بهم إلا مرة أو مرتين في السنة». مرت سنوات عديدة على الواقعتين، إلا أن أثر المجالس وصلة الرحم واللقاءات العائلية المنتظمة لا نزال نلمسه في حياتنا اليومية، وهي سبب رئيس في قوة المجتمع وتماسكه، وخير شاهد على نهج خير البرية حين قال: «من أحب أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه».
وانتقالاً من مجالسنا الخاصة في البيوت، ووصولاً إلى المجالس التي أنشأتها الحكومة في كل إمارة، فهي خير دليل على أهمية ذلك في ترابط المجتمع وتماسكه، «فالمجالس مدارس» كما قال الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه.
بين حديث الشرطي، ودهشة ضيوفي عند زيارتهم للمجلس الإماراتي، وجدت نفسي أمام سؤال بسيط وعميق في آن واحد: هل يدرك الجميع أهمية ذلك في تنشئة أبنائنا وبناتنا؟ وهل سنحافظ على هذا الإرث ونورثه للأجيال القادمة؟ فالحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن الأسرة ستظل نقطة البداية، فمنها تتشكل القيم، وفيها تُبنى الهوية، ومن خلالها يتعلم الأبناء معنى المسؤولية والتراحم والانتماء إلى الوطن.
*باحث إماراتي