أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أغسطس الماضي، بتقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، وحرصه على استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية، مخاوف الحلفاء الآسيويين. وقد تكرّر هذا السيناريو في أوروبا، حيث برز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كزعيم قوي يسعى البيت الأبيض إلى استمالته.
لكن العلاقة الخاصة الودية الأكثر استدامة بين أميركا وبريطانيا، شهدت تراجعاً. وقد أدلى ترامب برأيه فيها قائلاً: «كيف هي العلاقة؟ إنها العلاقة التي، عندما طلبنا منهم المساعدة، لم نجدهم إلى جانبنا. وعندما احتجنا إليهم، لم نجدهم إلى جانبنا. وعندما لم نكن بحاجة إليهم، لم نجدهم إلى جانبنا. وما زالوا غائبين».
لقد فرضت واشنطن تعريفاتٍ جمركيةً على المملكة المتحدة وأعادت فرضَها، وانتقد ترامب مساهمة القوات البريطانية في حرب أفغانستان، ودخل في خلاف علني مع رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر بشأن التهديدات الأميركية المتعلقة بجرينلاند. وفي العام الماضي، أوقفت لندن مؤقتاً تبادلَ معلومات استخباراتية يمكن أن تساعد في ضرب قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات في الكاريبي، وهي عمليات تعتبرها لندن غير قانونية.
ومؤخراً، تدخل ترامب في قضية شديدة الحساسية في السياسة البريطانية، قائلاً إنه «يتمنى» توحيد أيرلندا وإن ذلك «سيَحدث في نهاية المطاف». كذلك تباعدت واشنطن ولندن بشأن حرب إيران، إذ شكّك ستارمر في منطق تغيير النظام، ورفض طلبات أميركية للمشاركة في حصار الموانئ الإيرانية، وسمح باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لأغراض دفاعية فقط، ثم عرض متأخراً إرسال حاملات طائرات إلى المنطقة، في خطوة قال ترامب إنه كان ينبغي اتخاذها قبل بدء الحرب.
وعلى جانبي الأطلسي، أعرب سياسيون ومعلقون عن قلقهم من نهاية «العلاقة الخاصة». لكن العلاقات طويلة الأمد تمر بتقلبات. فقد صمدت العلاقة أمام خلافات بشأن أزمة السويس عام 1956، وحرب فيتنام، وانضمام بريطانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية في أوائل السبعينيات. وفي عام 1973، قيد البريطانيون بعض الأنشطة الاستخباراتية الأميركية وعمليات التحليق من قواعد في بريطانيا وقبرص، بعدما كان الرئيس ريتشارد نيكسون قد أوقف مؤقتاً بعض تبادل المعلومات الاستخباراتية.
ومع ذلك، فإن عمق العلاقة ومرونتها يدعمان استمرارَها. فالدولتان تتشاركان مصالحَ جيوسياسية متداخلة إلى حد كبير، رغم الخلافات العلنية بشأن إيران. وترتبط المؤسستان الدفاعيتان ارتباطاً وثيقاً، وتتدرب قوات البلدين معاً على نطاق واسع. وبريطانيا شريك رفيع المستوى للولايات المتحدة في برنامج الطائرة المقاتلة إف-35. كما جُددت في 2024 إلى أجل غير مسمى اتفاقياتٌ دفاعية أُبرمت في منتصف القرن الماضي، وأرست تبادل التكنولوجيا النووية وبيع الصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات.
ووفقاً للمراجعة الاستراتيجية للدفاع البريطانية لعام 2025، تتجاوز قيمةُ محفظة مبيعات المعدات العسكرية البريطانية إلى الولايات المتحدة 18.6 مليار دولار، فيما تمثّل الولايات المتحدة نحو 14% من صادرات الأسلحة البريطانية بين 2021 و2025.
ويستند ذلك إلى شراكة استخباراتية واسعة، إذ تتبادل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات البريطاني المعلومات وتنفذان عملياتٍ مشتركة عالمياً. كما تستخدم وكالة الأمن القومي الأميركية ومقر الاتصالات الحكومية البريطاني أنظمةً مشتركةً، ويجمعان المعلومات المتعلقة بالإشارات معاً.
وتتجلى الشراكة أيضاً في تفاصيل العمل اليومي. فكلا البلدين يعتمد على الآخر في تبادل المعلومات الحساسة والتنسيق الأمني، وقد قال جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، إنه لم تكن لديه تحفظات بشأن مشاركة أكثر الأسرار حساسية مع نظرائه البريطانيين. وهذه الروابط العملية تمنح العلاقةَ قدرةً على تجاوز الخلافات السياسية المؤقتة، لأن التعاون لا يعتمد فقط على قرارات القادة، بل على مؤسسات راسخة وعلاقات مهنية متراكمة. هذه المؤسسات صمدت أمام تغير الحكومات والقيادات.
وتمنح هذه المرونةُ العلاقةَ قدرةً على الاستمرار، حتى مع تراجع التعاون في بعض المجالات. كما تحافظ الروابط الوثيقة بين القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والسلك الدبلوماسي على قنوات الاتصال ورصيد الثقة، رغم الضغوط السياسية والمشاحنات العلنية.
ومع ذلك، ينبغي للأميركا وبريطانيا توقع استمرار الاختلاف في بعض المجالات. فقد ابتعدت الدولتان عن التجارب المشتركة للحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. وتشكك أطراف من الطبقة السياسية الأميركية في التشابكات العالمية وتنظر بشكل متزايد إلى أوروبا والمملكة المتحدة على أنهما ضعيفتان وعديمتَا التأثير. ورغم ذلك، تظل العلاقة قادرة على أن تكون وثيقة ومفيدة للطرفين، حتى إذا أصبحت أقل «خصوصية» مثلما كانت في العقود الماضية.
وحتى لو تولى السلطة في واشنطن رئيس موال لترامب، مثل جون دي فانس، أو إدارة اشتراكية ديمقراطية بقيادة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، متشككة في الالتزامات الأوروبية، أو لو تولى رئاسة الحكومة في لندن زعيم شعبوي مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثل نايجل فاراج.. فإن العلاقة مهيأة للتكيف والتطور، لا للانهيار. فإذا اتسعت الخلافات السياسية حول التدخلات العسكرية الأميركية، أو التنافس الجيوسياسي مع الصين، أو نهج واشنطن الدبلوماسي الانفرادي الحاد، فإن الآليات موجودة لمواصلة تحقيق المكاسب العسكرية والأمنية والسياسية التي تخدم مصالح البلدين. إنها علاقة مهيأة للتطور والصمود مهما تكن أمواج السياسة عاصفةً على جانبي الأطلسي.
*مؤلف رواية «محطة لندن» ومشارك في تقديم بودكاست «الباقي سري»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»