ثلاث سنوات كانت كافية لإسقاط الأقنعة. «حماس» رفعت راية «النصر»، وطهران احتفت بـ«وحدة الساحات»، وإسرائيل تحصنت خلف «القضاء على التهديدات». لكن الركام لا يصدّق الشعارات، والتاريخ لا يُكتب بالبيانات، بل بما يبقى على الأرض. والسؤالُ اليوم لم يعد: مَن ربح جولة السابع من أكتوبر؟ بل مَن دفع ثمنها؟ وأيُّ شرق أوسط يولد من رمادها؟
نعم، ربما يزعم البعض أن فلسطين ربحت معركةَ الوعي في الغرب، لكنه ربحٌ كُتب بدم غزة: أكثر من 74 ألف قتيل، ومدينة صارت ركاماً يحتاج جيلاً كاملاً لينهض، وضفة يلتهمها الاستيطان. والقرارُ الذي فتح أبوابَ الجحيم اتخذته دائرةٌ ضيقةٌ، راهنت على حلفاء لم يأتوا، بينما بقي بعضُ صانعيه في عواصم آمنة يحصون «الإنجازات» أمام الكاميرات. وحين يُحسب النصر بعدد الشاشات لا بعدد الأحياء، يصبح الانتصار اسماً آخر للهزيمة. وإسرائيل التي وعدت شعبَها بالحسم، لم تحصد سوى قادة تطاردهم مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، وأمن يتبخر كلما ظنت أنها أمسكت به.
غير أن الجرح الأعمق كان عربياً؛ فـ«وحدة الساحات» لم توحّد شيئاً سوى الخراب. لبنان دفع ثمنَ قرار لم يتخذه، فعاد المحتل إلى جنوبه. وسوريا خرجت من قبضة النظام السابق لتجد الدبابات الإسرائيلية في جنوبها. والعراقُ صار منصةً لصواريخ تُطلق على جيرانه. وكلما رُفع شعار «المقاومة» في عاصمة عربية، تراجعت فيها سيادة الدولة خطوةً إلى الوراء. ثم سقط القناعُ الأخير مع الحرب على إيران: نحو 85٪ من صواريخ طهران ومسيّراتُها انهالت على دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، مقابل 15٪ فقط نحو إسرائيل. لم تكن تل أبيب هي الهدف، بل النموذج العربي الناجح، نموذج الاستقرار والتنمية الذي يفضح مشروعاً لا يعيش إلا على الفوضى.والمنطقة اليوم على مفترق طرق حاسم: طريق أول يعيد إنتاج الكارثة؛ ميليشيات تختطف قرارات الدول، وحروب تُعلن باسم الشعوب دون إذنها، واحتلالٌ يتغذى على كل فوضى، وأموال إعمار تتحول وقوداً للجولة التالية من الهدم. في هذا الطريق تبقى فلسطينُ ورقةَ تفاوض في جيوب الآخرين، ويبقى الاعترافُ الدولي حبراً على ورق.
وطريق ثانٍ بدأت ملامحه ترتسم؛ فالدول التي استُهدفت لأنها مستقرة خرجت من النار أصلب عوداً، وأكثر وعياً بأن أمنها واحد لا يتجزأ. ولم تعد تقبل أن تكون خزينةً تموّل ما يهدمه غيرُها. الإماراتُ، ومعها دول الخليج، تملك من الثقل السياسي والاقتصادي ما يجعلها صانعةً للمعادلة لا متفرجةً عليها، معادلة يُربط فيها الإعمار باستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، ويُوزن فيها الخطر الإيراني بمعايير موضوعية.
أما إيران، وقد فقدت مرشدَها ونخبةَ قادتها، فتقف أمام خيار وجودي: أن تصبح دولةً طبيعيةً تحترم جوارَها، أو أن تواصل تصديرَ أزماتها حتى تستنزف آخرَ ما تبقّى لها. وإسرائيل ستتعلم، ولو متأخرةً، أن الأحزمة الأمنية لا تصنع أمناً، وأن القوة بلا تسوية ليست إلا حرباً مؤجلة.
وفلسطينياً، انتهى زمن الفصائل التي تقرر منفردةً مصيرَ شعب بأكمله. المرحلة المقبلة لن تتسع إلا لمرجعية وطنية جامعة، تعيد بناءَ منظمة التحرير الفلسطينية موحدةً بكل أجنحتها وتياراتها، على قاعدة الشراكة والمساءلة والبرنامج السياسي الواحد. فلا دولة بلا قرار موحد، ولا قرار موحد بلا شرعية. والعالم الذي اعترف بالدولة يبحث عمن يتحدث باسمها، والعربُ الذين سيعيدون البناءَ يبحثون عن شريك يحوّل المال إلى استقرار لا إلى صواريخ.
الطريق إلى الدولة الفلسطينية ليس أقصر مما كان، لكنه صار أوضح من أي وقت مضى، وهو لن يمر عبر محاور تقتات على تفكيك الدول، ولا عبر قيادات تعلن الحرب من فنادق بعيدة، بل عبر دول عربية قوية تملك قرارَها، وقيادة فلسطينية موحدة تملك تفويضَ شعبها. تلك هي معادلة العقد المقبل، ومن يخطئ قراءتها سيدفع الثمن مرتين.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة