ثمّة طرق عديدة لرواية قصة المرأة الإماراتية، فيمكن أن تُروى من خلال مسيرة وطنٍ استثمر مبكراً في تعليمها وتمكينها، أو من خلال مواقع المسؤولية التي تتولاها اليوم، أو عبر إنجازاتها في مجالات تمثّل ركيزة أساسية لتنمية دولة الإمارات ومستقبلها. بيد أن ثمّة جانباً آخر من هذه القصة لا يبدو دائماً بالوضوح نفسه، يتجلى في دورها في بناء الأسرة والمجتمع، وفي خدمة وطنها ومساندة من حولها، إذ كثيراً ما تضطلع بهذه المسؤوليات مجتمعةً في آنٍ واحد.
وقد أُتيح لي على مدار مسيرتي المهنية أن أشهد هذا العطاء في صور شتّى، ومن أبرز الأمثلة التي أستحضرها في هذا السياق تجربتي في العمل عن قرب مع معالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي.
ففي اجتماعاتنا، ومهما اشتدت ضغوط العمل، كانت معاليها تحرص دائماً على تخصيص وقت للاطمئنان على أحوالنا وأحوال أُسرنا، والسؤال عمّا إذا كان أيٌّ منا بحاجة إلى دعم. ولم يكن ذلك يعني تراجع متطلبات العمل أو المعايير المنتظرة منا، بل إن ما أدركتُ قيمته حقاً هو قدرتها على صون تلك المعايير، مع اهتمامها الدائم بمن حولها، بعنايةٍ ومراعاةٍ كانتا حاضرتين على الدوام.
وأستحضر هذه التجربة لأنها تعكس سِمةً لمستُها مراراً لدى المرأة الإماراتية عبر مختلف الأجيال والمواقع، فهي تسعى إلى تحقيق طموحها بحسٍّ عالٍ من المسؤولية، وتوازن بين ما تفرضه أدوارها من متطلبات تجاه الآخرين، تاركةً أثراً ملموساً، لا من خلال إنجازاتها الشخصية فحسب، بل أيضاً من خلال ما تتيحه من فرص وما تقدمه من دعم لمن حولها.
ولا يقتصر هذا العطاء على المرأة في المناصب القيادية فحسب، فالمرأة الإماراتية هي أمٌّ ومرشدة، ومعلّمة ورائدة أعمال، ودبلوماسية وعالمة، وطبيبة ومهندسة وفنانة وموظفة في الخدمة العامة، تعزّز تماسك الأسرة والمجتمع، وتسهم في الوقت ذاته في بناء المؤسسات والقطاعات التي يرتكز عليها مستقبل الوطن.
وإن هذه المسيرة لم تأتِ من فراغ، فمنذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، أدرك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الدور الجوهري للمرأة في مسيرة التنمية، فحرص على إتاحة الفرص أمامها للتعلّم والمشاركة وإشراكها في شتّى مجالات العمل والحياة. وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى استثمار متواصل في التعليم والتشريعات والمؤسسات، مما أوجد فرصاً حوّلتها أجيال متعاقبة من الإماراتيات إلى إنجازات.
ومع ما شهدته الدولة من تحوّلات كبرى، ظلّ تمكين المرأة أولوية وطنية راسخة، بفضل توجيهات ودعم متواصل من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات».
ويتجلى حجم هذا التحوّل في مختلف مناحي الحياة الوطنية، إذ تشكّل المرأة نحو 70% من خريجي الجامعات، وأكثر من 46% من خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ووفقاً لبيانات عام 2026، يبلغ عدد رائدات الأعمال الإماراتيات نحو 48,257 رائدة، فيما يصل عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تملكها إماراتيات أو يشاركن في ملكيتها إلى 114,050 شركة. ولا تمثّل هذه الأرقام مجرد مؤشرات على المشاركة، بل تعكس نساءً يبنين الخبرات، ويولّدن القيمة الاقتصادية، ويسهمن في القطاعات المحورية لمسيرة التنمية الوطنية.
وهنا تحديداً تطوّر مفهوم التمكين، فإتاحة الفرص كانت خطوة ضرورية، لكنها لم تكن يوماً الغاية النهائية، إذ اغتنمت المرأة الإماراتية الفرص التي أُتيحت لها، وحوّلتها إلى إنجازات ملموسة، وخدمة عامة، وحضور مؤثّر.
وتشغل المرأة نصف مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، ونحو 63% من المناصب القيادية في القطاع الحكومي، ويبرز حضورها القيادي في العمل الحكومي والدبلوماسي، وفي قطاعات الأعمال والتعليم والعلوم وغيرها من القطاعات الاستراتيجية.
وتُجسّد التجربة الإماراتية اليوم ما يمكن أن يحققه الاستثمار المستدام في الإنسان، فالرؤية الوطنية تصنع الفرص، والمؤسسات تبني القدرات، غير أن التقدّم يبقى في المحصّلة رهيناً بما يصنعه الناس بهذه الفرص. وقد نجحت المرأة الإماراتية في تحويل الفرص التي قُدمت لها إلى إنجازات ملموسة من خلال الطموح والانضباط والتفاني في خدمة الوطن، مؤكدةً كفاءتها جيلاً بعد جيل، وفي شتّى الميادين.
ومسؤوليتنا اليوم أن نضمن إعداد الجيل القادم وتأهيله على النحو الأمثل للمُضيّ بهذه المسيرة إلى آفاق أرحب.
وفي أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، أرى شابات إماراتيات يستعددن لمسيرة مهنية في الدبلوماسية والشؤون الدولية، بطموح وشغف معرفي، وإدراك واضح لمعنى أن يمثّلن وطنهن. وهي مجالات تتطلب حُسن التقدير والانضباط والقدرة على التكيّف، كما تتطلب القدرة على الإصغاء، وفهم وجهات النظر المختلفة، وبناء الثقة بين مختلف الثقافات والمصالح.
فالشابات بحاجة إلى تعليم وإرشاد، لكنهن بحاجة أيضاً إلى مسؤوليات حقيقية تتيح لهن اختبار قدرتهن على التقدير واتخاذ القرار، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن، وإثبات ما يستطعن تحقيقه.
وتزداد أهمية ذلك مع بروز مجالات جديدة للفرص، فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمناخ والعلوم والدبلوماسية الاقتصادية ستتطلب أشكالاً جديدة من الخبرة والقيادة. والمرأة الإماراتية تثبت بالفعل ما يمكنها أن تقدّمه في هذه المجالات، إذ تُشكّل النساء نحو نصف العاملين في برنامج الإمارات الوطني للفضاء، وقرابة 80% من الفريق العلمي لـ«مسبار الأمل»، المهمة الإماراتية التاريخية لاستكشاف المريخ، وأول مهمة عربية تصل إلى الكوكب الأحمر. ومهمتنا اليوم هي أن نضمن تأهيل الشابات لا لدخول المجالات التي ترسم ملامح المستقبل فحسب، بل للإسهام في رسمها.
وكان «شهر المرأة الإماراتية» فرصة للاحتفاء بمسيرة وطنية استثنائية، غير أن معناه لا يمكن أن يُختزل في المناصب التي تشغلها المرأة، أو المؤهلات التي تنالها، أو حتى الإنجازات التي يمكن قياسها.
حيث ثمّة طرق عديدة لرواية قصة المرأة الإماراتية، بعضها يمكن التعبير عنه بالأرقام، وهي أرقام تمنحنا الكثير مما نحتفي به، وبعضها الآخر نجده في الأُسر التي تعزّز تماسكها، والأفراد الذين تساندهم، والمؤسسات التي تبنيها، والمسؤوليات التي تحملها، والأجيال التي تُعدّها لما هو آتٍ. ولعل المقياس الأهم للتقدّم إذن لا يكمن فقط في المدى الذي بلغته المرأة الإماراتية، بل في المدى الأبعد الذي يستطيع الوطن بلوغه بفضل عطائها.
*نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية