على الرغم من أن حكومة ولاية فلوريدا لا تعترف رسمياً بحقيقة التغير المناخي، إلا أنها تظل المختبر الأنشط في البلاد لدراسة تلك الظاهرة. ويتمثل الاختبار الأحدث في تفشي حمى الضنك، وهو الأكبر في الولايات المتحدة منذ أربعينيات القرن الماضي. وسُجلت 485 حالة وفق أحدث إحصاء لـ«مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها». ورغم قلة العدد، كانت الإصابة بهذا المرض، الذي يُسمى أحياناً «حمى تكسير العظام» بسبب آلامه الشديدة، نادرة في الولايات المتحدة حتى وقت قريب. ومن السابق لأوانه إرجاع هذا التفشي تحديداً إلى تغير المناخ، إذ يمكن لفلوريدا أن تكون حارة بما يكفي للتفشي في أي ظروف.
لكن ارتفاع حرارة الكوكب يجعل مناطق أوسع ملائمة للبعوض الناقل للمرض، وستكون تجربة فلوريدا نموذجاً لما قد تواجهه المناطق الواقعة على خطوط عرض أعلى في المستقبل القريب.
ووفق دراسة لجامعة موناش الأسترالية يكون بعوض «الزاعجة المصرية» و«الزاعجة المنقطة بالأبيض»، الناقلان لحمى الضنك، في أشد حالاتهما خطورة عند درجات حرارة مستمرة بين 26 و31 درجة مئوية. كما يُفضلان الرطوبة والأمطار، ويمكنهما التكيف مع الجفاف مما يجعل الأشخاص يخزنون المياه في أوعية مفتوحة. لطالما كانت فلوريدا حارة ورطبة، كما شهدت الولايات المتحدة تفشيات شبيهة بالضنك قبل الحرب العالمية الثانية.
لكن الجهود العالمية للقضاء على الحمى الصفراء قضت على كثير من الأمراض التي ينقلها البعوض لأجيال. ولم تعد حمى الضنك إلى فلوريدا إلا عام 2009، عندما أصيب عدد قليل من الأشخاص في منطقة «كي ويست». ومنذ ذلك الحين، أصبحت فلوريدا أكثر مناطق البر الرئيسي الأميركي تسجيلاً لحالات حمى الضنك، إذ شهدت 606 حالات مكتسبة محلياً ونحو 4200 حالة مرتبطة بالسفر بين 2010 و2025. وتأتي كاليفورنيا ثانية بنحو 2600 حالة، أغلبها مرتبط بالسفر، بينما سجلت بورتوريكو أكثر من 42 ألف حالة. وأدى الاحترار العالمي إلى توسيع نطاق البعوض الناقل لحمى الضنك والملاريا وزيكا وغيرها. فقبل 50 عاماً كان الضنك متوطناً في تسع دول فقط، أما الآن فهو موجود في 140 دولة. كما يزيد ارتفاع الحرارة أعداد القراد ونطاق انتشاره، ناقلاً أمراضاً مثل داء «لايم» والتهاب الدماغ وداء الأنابلازما.
وهذه كلها طرق يضر بها تغير المناخ بصحة الإنسان ورفاهه الاقتصادي، إلى جانب الفيضانات وحرائق الغابات وموجات الحر. وكلما ازداد الكوكب سخونة اتسعت الأراضي التي يمكن لهذه الآفات غزوها. وحتى في ظل سيناريوهات غير متطرفة لانبعاثات غازات الدفيئة سيزداد عدد البشر المعرضين لخطر حمى الضنك بمقدار 2.3 مليار شخص بحلول 2080 مقارنة بعام 2015، ليصل إلى 6.1 مليار شخص معرضين له بصورة منتظمة.
كما يعزز سلوك البشر وتأثيرات تغير المناخ كل منهما الآخر. ويساعد تدفق السكان إلى مناطق حارة مثل فلوريدا وتكساس في تفسير ارتفاع التعرض للضنك حالياً ومستقبلاً. كما منح التوقف، المبرر، عن الرش الواسع لمبيد «دي دي تي» البعوض موطئ قدم إضافياً. لكن البشر يملكون وسائل للمقاومة؛ فقد ساعدت عقود التوعية ومليارات الدولارات المستثمرة في الوقاية والعلاج على إبطاء انتشار الملاريا؛ إذ انخفض معدل الإصابة العالمي بها بأكثر من الثلث بين 2000 و2016، وتراجع معدل الوفيات 60%، رغم استمرار ارتفاع عدد الحالات بسبب النمو السكاني. كما يساعد التوسع الحضري وتحسن الرفاه الاقتصادي في الحد من انتشارها.
وقال جيفري شامان، الأستاذ بجامعة كولومبيا والمتخصص في المناخ والأمراض التي ينقلها البعوض: يزدهر بعوض «الزاعجة» في المدن، ولذلك ستتطلب مكافحة الضنك أساليب مختلفة. وتمتلك شركة «جوجل» التابعة لشركة «ألفابت» وبرنامج مكافحة البعوض العالمي التابع لجامعة موناش برامج لإصابة البعوض ببكتيريا «ولباخيا» وإطلاقه، بما قد يحد من أعداده مؤقتاً. وكانت وكالة حماية البيئة الأميركية تدرس طلب «جوجل» إطلاق بعوض مصاب في كاليفورنيا وفلوريدا.
لكن الرئيس دونالد ترامب أمر حكومته الأسبوع الماضي بتسريع الجهود للحد من الأمراض التي ينقلها البعوض والقراد. وتجري فلوريدا تجاربها الخاصة؛ فقد بدأت مقاطعة «لي»، التي تضم «فورت مايرز»، إطلاق بعوض مصاب بـ«ولباخيا» عام 2017، كما تستخدم الإشعاع لتعقيم ذكور البعوض وإطلاقها بالطائرات والطائرات المسيّرة. ولا تسجل المقاطعة سوى 11 حالة ضنك، رغم وقوعها على بعد 120 ميلاً جنوب «تامبا». لكن «ولباخيا» ليست حلاً مثالياً ولا فعالة في كل مكان.
وينزعج الناس أيضاً من فكرة «بعوض فرانكنشتاين» المعدل وراثياً يحوم حولهم، لذلك فإن أفضل نهج هو استخدام كل الوسائل المتاحة: إبطاء الاحترار العالمي، وأنظمة الرصد والإنذار، والبكتيريا والإشعاع والطائرات المسيّرة والمبيدات الآمنة والأسماك التي تتغذى على البعوض، إلى جانب تجفيف أحواض الطيور وأوعية المياه التي يتكاثر فيها.وقال شامان: إن أي شيء يقلل فرص تفاعل البشر والبعوض يستحق التجربة، وهي القاعدة الأساسية للسيطرة على التفشيات. وإذا نجح ذلك في فلوريدا فإنه يستحق التجربة في أي مكان.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ