في عام 1946، كان حاسوب «إينياك»، أحد أسلاف أجهزة الكمبيوتر الحديثة، يزن 30 طناً ويشغل مساحةَ منزل كامل، ويستهلك 140 كيلوواط لمجرد إجراء عمليات بسرعة تفوق سرعة المحاسب البشري. أما اليوم، فيستطيع الهاتف في جيبك ترجمة اليونانية القديمة، والتعرّف على وجهك، وقيادة طائرة مسيَّرة، وتذكيرك بأن روكي مارسيانو هزم جو لويس في الجولة الثامنة عام 1951. وكانت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» ستسعد كثيراً بالقدرات الثلاث الأولى فقط لو توافرت في ذلك الزمن. تذكّر هذا التاريخ وأنت تتابع سباق شركات التكنولوجيا لبناء مراكز البيانات، التي تعتبر مستودعات، بلا نوافذ، مكدسة بالرقائق وأنظمة التبريد والمعدات الكهربائية.
وبينما يتجادل الساسة الأميركيون من الحزبين الرئيسيين حول معارضة هذه المشروعات، ينبغي للمستثمرين والمهندسين طرح سؤال مختلف: كيف سيبدو مركز البيانات بعد 10 أو 20 عاماً؟ وما الذي يستحق الامتلاك فعلياً؟ قدّم العالم والمهندس الأميركي غوردون مور، وهو الشريك المؤسس لشركة «إنتل»، إجابةً قبل 60 عاماً، حين لاحظ أن عدد المكونات التي يمكن وضعها على الشريحة الإلكترونية يزداد بمعدل متسارع. وقد أُعلن انتهاء قانون مور كثيراً، كما أُعلنت نهاية الرأسمالية، لكن كليهما ظل صامداً ومستمراً. ورغم تغيُّر التفاصيل الهندسية، فقد أصبحت الرقائق تُكدس فوق بعضها، وتحسنت تقنيات التبريد، وأصبحت البرمجيات أكثر كفاءة وخفة، لكن الاتجاه العام ظل ثابتاً، أي الحصول على قدرات حوسبة أكبر باستخدام موارد أقل. وانتقلت الحوسبة من غرفة إلى سطح مكتب، ثم إلى حاسوب محمول، ثم إلى هاتف، وهي الآن موجودة في ساعات اليد الذكية وسماعات الأذن وأجراس الأبواب.
فلماذا نفترض أن مركز البيانات وصل إلى شكله المادي النهائي؟في أوهايو، يجري حالياً إنشاء مُجمع ضخم لمراكز البيانات بدعم من مجموعة «سوفت بنك»، مع التزامات من «أوبن إيه آي» و«إنفيديا»، وعقود طويلة الأجل بمئات مليارات الدولارات، وخطط لتوفير 10 غيغاوات من الكهرباء. وينبغي للمستثمرين والمجتمعات التي تلتزم بعقود تمتد 20 أو 30 عاماً أن تسأل: ما حجم الأراضي والكهرباء والمعدات اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من الذكاء؟ ومن المرجح أن يواصل هذا الرقم الانخفاض مع انتقال الحوسبة إلى أجهزة أصغر. فلا ينبغي لسيارتك أن تستشير مستودعاً مساحته 500 ألف قدم مربعة في كانساس قبل أن تنحرف لتفادي حفرة على الطريق.
لكن هناك مفارقة اكتشفها الاقتصادي الإنجليزي ويليام ستانلي جيفونز، في القرن الـ 19، وهي أن المحركات البخارية الأكثر كفاءةً لم تخفض استهلاك بريطانيا من الفحم، لأن انخفاض تكلفة الطاقة البخارية خلق استخدامات جديدة لها، فاحتاجت بريطانيا إلى مزيد من الفحم، لا أقل. وقد يطلق الذكاء الاصطناعي تأثيراً قوياً مماثلاً لـ «مفارقة جيفونز»، فإذا أصبح الذكاء أرخص عشر مرات، فقد يبتكر رواد الأعمال 20 ضعفاً من الاستخدامات له. وستصبح المستشفيات والجرارات والأجهزة المنزلية أكثر ذكاءً، وربما تطور ثلاجتُك ذات ليلة آراءَ قويةً بشأن مستوى الكوليسترول لديك وترفض منحك عبوةً من المثلجات. لذا يمكن أن يحدث أمران متناقضان ظاهرياً في الوقت نفسه: قد يستهلك العالَمُ حوسبةً أكثر بكثير، بينما يحتاج إلى بنية تحتية أقل لكل وحدةِ حوسبة. ولهذا ينبغي للمجتمعات الترحيبَ بالاستثمارات الجديدة، مع الإصرار على أن يتحمل المطورون تكاليفَ الكهرباء والمياه وتحديثات الشبكة.
وينبغي الحذر، لا سيما من الإعانات التي تفترض استمرارَ البصمة المادية الحالية لعقود. وإذا أُنجزت هذه الاستثمارات على نحو صحيح، فقد يستفيد منها السكانُ القريبون، حيث قدّرت دراسةٌ حديثةٌ لمعهد أبحاث الطاقة الكهربائية أن نمو مراكز البيانات بين 2015 و2024 خفّض بصورة متواضعة أسعارَ الكهرباء السكنية في الولايات المتحدة، لأن العملاء الكبار ذوي الاستهلاك المستمر يوزعون تكاليف الشبكة الثابتة على عدد أكبر من الكيلووات/ساعة. أما إذا بنت شركات المرافق لخدمة عميل عملاق ثم حمّلت الأسرَ الفاتورةَ، فسيدفع السكانُ أكثر. ويواجه المستثمرون سؤالاً آخر: ما الذي سيبقى عندما تتحسن التكنولوجيا داخل المبنى، ويصبح المبنى نفسه صندوقاً عملاقاً محشواً بالسيليكون سريع التقادم؟ قد تتحول بعض مراكز البيانات إلى هياكل باهظة الثمن تبحث عن استخدام آخر.
ورغم أن السكك الحديدية جعلت الخيول أقل قيمة، فقد احتفظت حقوقُ المرور بقيمتها. فالموقع الذي تتوافر فيه كهرباء متعاقَد عليها، وإمكانية الوصول إلى خطوط النقل، وكابلات الألياف الضوئية، يمثل أصلاً أصعب استبدالاً من الرقائق: موقعاً متقدماً للاتصال بشبكة الكهرباء. وقد يستغرق تأمين هذا الوصول سنوات، والأصل الأهم قد يكون الحق في الاتصال بالشبكة. على أميركا بناء مراكز البيانات بالتوازي مع زيادة قدرتها على إنتاج الطاقة. وقد يثبت الذكاء الاصطناعي أنه تحول ضخم كما يقول أنصاره، وسيكون من الحماقة حرمانه من البنية التحتية، لا سيما مع تقدم الصين. في عام 1946، كان الحاسوب يشغل مساحة منزل. أما الآن، فتسعه راحةُ اليد.. فلا تراهن على أن المنزل هو المنتصر.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*مدير سابق للسياسة الاقتصادية في البيت الأبيض، مؤلف كتاب «ثمن الرخاء»