في السابع من شهر مايو 2021 أُقفلت جميع الأنابيب التي تضخّ النفط الأميركي إلى الولايات الشرقية من الولايات المتحدة الأميركية. واستمرّ الإقفال مدة خمسة أيام. خلال هذه المدة حاول المهندسون البحث عن السبب الذي أدّى إلى هذا التوقف غير المسبوق، لكن دون جدوى. وقف المهندسون والمختصون ولمدة أسبوع كامل مكتوفي الأيدي لا يعرفون ماذا يفعلون.
بدت أيام أسبوع الانقطاع وكأنها دهر كامل. كيف يتوقف ضخّ النفط دون سبب فني أو عطل طارئ؟ جاء الجواب بعد ذلك في رسالة إلكترونية مجهولة المصدر، تطلب من الشركة مبلغ 4.3 مليون دولار مقابل السماح بإعادة ضخّ النفط. كانت هذه الحادثة أول جريمة قرصنة إلكترونية تتعرّض لها شركة كبرى في دولة عظمى.
وفي وقت متزامن تقريباً مع حادث إقفال أنابيب النفط، وقعت حادثة من نوع آخر في إيرلندا، حيث توقفت فجأة جميع الأجهزة الطبيّة عن العمل وتحوّلت إلى مجرد ألواح جامدة لا تتحرك. ارتبك الأطباء في غُرف المرضى، وفي غرف العمليات الجراحية والعناية الفائقة. لم يعرف أحدٌ السببَ، إلى أن جاء صوت من بعيد، وعبر الهاتف المحمول، يطالب بفدية مالية كبيرة مقابل إعادة تشغيل النظام الإلكتروني الذي تعتمده المستشفيات في إدارة عملياتها الجراحية والخدماتية والإدارية.
تؤشر الحادثتان إلى دخول العالم مرحلةً جديدة من مراحل مواجهة الشرّ. صحيح أن كلاً من إدارة شركة النفط الأميركية والمنظومة الطبية الإيرلندية رضختا للابتزاز المالي (لرفع كابوس العطل التام الذي تعرّضت له)، إلا أن الحادثتين شكّلتا درساً لمختلف الشركات والمؤسسات والإدارات، الحكومية والخاصة، حول العالم. فعالم التقنيات الإلكترونية ليس وقفاً على العقلاء من بني البشر، ولكنه مفتوح أمام أشرارهم أيضاً. وقد أثبتوا ذلك من خلال حادثتي الولايات المتحدة وإيرلندا. أما على صعيد المواجهات العسكرية والصراعات السياسية، فلذلك حسابات أخرى.
تطرح حادثتا أميركا وإيرلندا علاماتِ استفهام مقلقة للإنسانية جميعها: ماذا لو وصلت القرصنةُ الإلكترونية إلى أبراج المراقبة في المطارات، أو إلى محطات إنتاج الطاقة الكهربائية؟ وماذا لو اخترقت الجهازَ الإداري للمصارف والحسابات الشخصية للأفراد أو للشركات والمؤسسات؟ بل ماذا لو وصلت إلى إدارة وتوجيه الأسلحة النووية أو حتى إلى المؤسسات الصناعية التي تعمل على الطاقة النووية؟ 
أول مرة عرف فيها العالم اختراقاً ابتزازياً حدث في عام 1989. حدث ذلك من خلال تسلّل «جرثومة إلكترونية» عبر شبكات التواصل والاتصال التي سبقت عصر الإلكترونيات المتطور الذي نعيشه اليوم. لقد أسفرت الحادثتان عن اهتزاز، بل وعن تصدّع، في العلاقات بين العديد من الدول قبل أن يتم الكشف عن صانعي تلك «الجرثومة» ومروّجيها خارج معادلات العلاقات الرسمية بين الدول.
ولعلّ أغرب المآسي الإنسانية الفردية تعرّض سائق سيارة إلى ابتزاز إلكتروني لأن أبواب السيارة التي يقودها لن تفتح ما لم يسدّد مبلغاً محدداً من المال عبر تحويل إلكتروني يتم فوراً!
لا توجد حدود سياسية يتحصّن القراصنة الإلكترونيون وراءها، وهم لا يحتاجون أساساً إلى هذه الحدود، فالفضاء الإلكتروني مفتوح، وقد تكون الضحية في البرازيل والمجرم في زيمبابوي، أو العكس.
 ومن أجل ذلك احتلّ هذا الموضوع مكاناً بارزاً في جداول أعمال قمة الدول السبع الكبرى، ودول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وكذلك مجموعة دول البريكس.. باعتبار أن جريمة الابتزاز الإلكترونية أصبحت واحدةً من أخطر الجرائم التي تهدد السِّلم العام والعلاقات بين الدول.. والمجتمعات. فقد احتل «الأمن الإلكتروني» موقعَ الصدارة في اهتمامات الدول والمجتمعات على ما بينها من اختلافات وتباينات وصراعات!


*كاتب لبناني