لم تكن حرب إيران الثانية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، مجرد مواجهة عسكرية بحتة، وإنما أبانت عن صراعٍ مركّبٍ، تداخلت فيه القوة الصلدة التقليدية وأدوات الحرب اللامتماثلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وحسابات الردع والتحالف. كما تشابك فيها الأمن العسكري والأمن الاقتصادي وأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية، والتطور التكنولوجي الدفاعي والأمن السيبراني والسرديات المتنافسة، وأدوار الفاعلين من غير الدول.
وكان اندلاع الحرب وتطور المواجهات العسكرية، منذ فبراير الفائت، اختباراً شاملاً للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ولطبيعة التحالفات والاصطفافات الأمنية التي تأسّست في المنطقة على مدى العقود الماضية. وعلى الرغم من أنّ المياه لا تزال تجري تحت الجسور، فإن الحرب أفرزت تداعياتٍ واسعةً، اقتصادية وسياسية وأمنية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية كافة.
وهكذا، تطرح حرب إيران 2026 أسئلة تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة بين أطرافها إلى دور السرديات المتنافسة في صنع الصورة عن الحرب والمشاركين فيها، وأدوار الفاعلين من غير الدول في الصراعات والمنافسات الاستراتيجية في المنطقة. كما تطرح تساؤلاتٍ تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وحدود قدرته على استيعاب الصدمات، وإعادة تنظيم العلاقات بين وحداته. علاوة على ذلك، وضعت الحرب، على المحكّ، فاعلية التنظيمات الدولية في مجالات التجارة والطاقة وأمن الممرات المائية الحيوية وسلاسل الإمداد.
وقد كشفت الحرب عن حدود الردع والأمن الإقليمي، وأحدثت تغيّرات مهمّة في موازين القوة وأنماط التفاعل في الشرق الأوسط، ولكنها لم تُنتج نظاماً إقليمياً جديداً. فالشرق الأوسط يتّجه إلى مرحلة تتسم بالسيولة وانعدام اليقين وزيادة أزمات النظام الإقليمي المأزوم أصلاً، ويمضي نحو بيئة إقليمية تستمر فيها المعضلة الأمنية، وتعتمد فيها التحالفات على المصالح الآنية والمتقاطعة، الأمر الذي يجعل استقرار المنطقة رهناً بقدرة دولها على معالجة الهشاشة المؤسّسية والاقتصادية التي تشكّل جذور الصراع. ولعلّ ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى حاجة المنطقة إلى بنية أمنية جديدة تقوم على ردع أقوى، ومرونة أكبر، وأشكال جديدة من التعاون الاستراتيجي، وترتيبات مبتكرة للأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة.
وقد كان للحرب تداعيات سلبية على تدفقات النفط والغاز والتجارة وسلاسل الإمداد الدولية، وأفضت إلى أكبر أزمة للطاقة منذ فترة الكساد الكبير في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الماضي، ما يبرز الحاجة إلى بناء شبكات ترابط أكثر مرونة مع الموازنة بين الكفاءة والاستقلالية الاستراتيجية والاعتماد الاقتصادي المتبادل.
وفي مواكبته للتطورات الإقليمية والدولية، وترجمةً لدوره الاستشرافي، ينظّم مركز تريندز للبحوث والاستشارات، اليوم الاثنين 12 أكتوبر الحالي، مؤتمره السنوي السادس، عن مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب.
ويشارك في هذا المؤتمر نخبة متميزة من الباحثين والخبراء وصُنّاع القرار، وفي مقدّمتهم معالي مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، والأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، ومعالي الدكتور علي راشد النعيمي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية بالمجلس الوطني الاتحادي، والسفير مايك والتز، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.
ويسعى مؤتمر تريندز السنوي إلى استكشاف دلالة التغيرات التي صاحبت اندلاع الحرب وتطورها على الأمن الإقليمي والشراكات والاصطفافات والتحالفات في المنطقة، وفحص التداعيات الاقتصادية للحرب، مع التركيز على الطاقة والتجارة، وبحث دور السرديات المتنافسة في توجيه الرأي العام، وتشكيل التصورات الدولية في أوقات الأزمات. ويتطلّع منظمو المؤتمر، والمشاركون فيه، إلى تقديم إطارٍ واضحٍ لفهم اتجاهات التحول في النظام الإقليمي، واستشراف تداعياتها، بما يدعم التعامل مع الأزمات المستقبلية في المنطقة.
*باحث رئيسي/ مدير عام تريندز للبحوث والاستشارات - مجموعة تريندز