قبل عام، كانت العملات المشفرة تحظى بدعم البيت الأبيض وحماس «وول ستريت»، وسط توقعات بعصر ذهبي جديد. ثم جاء الانهيار التاريخي في أكتوبر 2025، وتصفية رهانات بالرافعة المالية بلغت قيمتها رقماً قياسياً قدره 19 مليار دولار في يوم واحد، مما أطلق موجة من الانكماش في القطاع بأكمله وكشف عن هشاشة بنية سوق كان يُفترض أنه بلغ مرحلة النضج.وبعد مرور 12 شهراً، لا تزال عملة «بتكوين»، المؤشر الأبرز لأداء السوق، منخفضة بأكثر من 30% عن أعلى مستوى قياسي سجلته.

كما تعثرت مراراً محاولات تحقيق انتعاش مستدام، فيما تباطأ المتداولون في إعادة بناء مراكزهم الممولة بالرافعة المالية، التي غذت في السابق أكبر موجات الازدهار في سوق العملات المشفرة.وبحسب بيانات شركة «كريبتو كوانت»، لتحليلات سوق العملات الرقمية، بلغ إجمالي المراكز المفتوحة في العقود الآجلة الدائمة المرتبطة ببتكوين، وهو مؤشر على إقبال المتداولين على رهانات الرافعة المالية، نحو 45 مليار دولار قبل عام. لكن هذا الرقم انخفض إلى أقل من النصف خلال الأشهر الستة التالية للانهيار.

وقد أسهم الانتعاش الأخير لبتكوين، الذي دفع سعرها إلى تجاوز 80 ألف دولار، في استعادة بعض الثقة، إلا أن حجم المراكز المفتوحة في أكبر عملة مشفرة في العالم لا يزال بعيداً عن ذروته.ومع ذلك، لم يمنع هذا التراجع البنوك وشركات التداول الكبرى من تجربة الأصول الرقمية. وتقول جوليا تشو، رئيسة شركة كالادان لصناعة سوق العملات الرقمية، إن الأهم من عودة الرافعة المالية هو ما إذا كانت السوق نفسها قد أصبحت أكثر مرونة وقدرة على الصمود. وأضافت أنه بعد تصفية مراكز رافعة مالية بقيمة تزيد على 19 مليار دولار خلال 24 ساعة، كانت المشكلة الأكبر سرعة اختفاء السيولة المتاحة عندما كان السوق بأمس الحاجة إليها، مشيرة إلى أن المتداولين باتوا اليوم يفهمون المخاطر بشكل أفضل، إلا أن السوق لا تزال مجزأة للغاية، ولا تزال السيولة عرضة للتدهور السريع.

وتستند فرضية قوة السوق اليوم إلى انخفاض مستويات الرافعة المالية، وتقديم منصات التداول لأصول أقل ارتباطاً، وتعزيز بعضها أنظمة التصفية الآلية، لكن المستثمرين لم يفقدوا شغفهم للمغامرة، بل اتجهوا إلى مجالات جديدة. فقد استقطبت أسواق التنبؤ أعداداً متزايدة من المشاركين، فيما تُستخدم العقود الآجلة الدائمة، التي شكّلت طويلاً ركيزة لتداول العملات المشفرة، في رهانات الرافعة المالية على الأسهم والسلع والأصول الحقيقية.أي أصبحت الأدوات التي أسهمت في تحويل العملات المشفرة إلى ظاهرة مضاربة تُستخدم خارج نطاق الرموز الرقمية التي صُممت لتداولها.

وتمضي «وول ستريت» أيضاً في تطوير العملات المستقرة، وترميز الأصول، والبنية التحتية المالية القائمة على تقنية سلسلة الكتل أو «البلوكشين».

وتجاوزت المراكز المفتوحة في العقود الآجلة الدائمة المرتبطة بأصول العالم الحقيقي 17 مليار دولار، بعدما كانت شبه معدومة قبل عام. ويعود ذلك إلى منصة «هايبرليكويد»، التي كانت من أوائل المنصات التي ربطت العقود الآجلة الدائمة بالأسهم والسلع.وقال آدم مكارثي، رئيس الأبحاث في شركة التداول «إل أو: تيك»، إن هذا التحول يعكس نمواً يقوده أشخاص يبحثون عن العوائد وأنظمة تسوية تعمل باستمرار، لا عن روايات رائجة أو عملات ميمية تحظى برواج مؤقت.

وقد أسهم السعي وراء عوائد أعلى في جعل «بتكوين» أفضل الأصول المالية أداء في العالم منذ ظهورها قبل 17 عاماً. ويرى المشاركون المخضرمون في السوق أن تزايد الطابع المؤسسي للقطاع وظهور بدائل جديدة، من العقود الآجلة الدائمة إلى المراهنات الرياضية، يمثلان نقطة تحول جوهرية.وأوضح تقرير لشركة «كيو سي بي كابيتال»، إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تداول الأصول الرقمية، بقاء بتكوين ضمن نطاق يتراوح بين 80 ألفاً و90 ألف دولار خلال الربع الأخير من العام، مشيرة إلى أن الأسس الداعمة للعملات المشفرة لا تزال قائمة، لكن تدفقات الأموال وحدها لا تكفي لدفع السوق إلى الصعود دون محفز رئيسي قوي.

وقالت شركة «جالاكسي ديجيتال» الأميركية المتخصّصة في الخدمات المالية والبنية التحتية، إن السوق تغيّرت جوهرياً خلال عام. ورغم تعثر جهود إقرار تشريعات أميركية لتنظيم العملات المشفرة في سبتمبر، تواصل الجهات التنظيمية الفيدرالية وضع خطط لتعزيز التداول. يعني ذلك أن القطاع، الذي نشأ من رؤية تسعى لإحداث تغيير جذري واتسم بممارسات مضاربة مفرطة، بات يندمج بشكل متزايد مع المؤسسات المالية التقليدية التي كان يطمح يوماً ما إلى إزاحتها. وتواجه العملات المشفرة مستقبلاً يختلف عما كان متصوراً في سنوات ازدهارها الأولى، إذ لم تعُد تمثل تمرداً على «وول ستريت»، بل أصبحت ركناً آخر من أركانها.

وكتب لوكاس تشيان، نائب رئيس الأبحاث في «جالاكسي ديجيتال»، إن السوق التي انهارت في أكتوبر لم تعد موجودة، وأن السوق التي حلَّت محلها بدأت للتو تكتسب تقييماً جديداً.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*صحفي متخصص في العملات المشفرة وأسواق الأصول الرقمية