لا شك في فاعلية جيوش بعض الدول، لكنها تؤسس عقيدتها القتاليّة على «الدفاع» فقط لا غير، أما «الهجوم» فليس في فلسفتها أصلاً، إلا أنها إنْ هُوجِمت تدافع عن نفسها بقوة وصلابة قلّ نظيرُها.
وهناك دول عديدة في هذا العصر المليء بالأزمات والقلاقل بدأت تعيد النظر في عقيدتها القتاليّة، استعداداً للتحول من الدفاع إلى الهجوم، إذ أدركت أن عقيدة الدفاع كلفتها الكثير في مراحل عدة. واليابان إحدى هذه الدول التي بدأت خطواتٍ عمليةً لتغيير بعض النصوص والمواد في دستورها، خاصة تلك التي اشتملت على شروط إذعان لأميركا عقب القنابل النووية التي أُلقيت على كل من هيروشيما وناجازاكي. وفي السنوات الأخيرة أدركت طوكيو أنه يمكن أن يأتي اليوم الذي تتخلى فيه عنها الولايات المتحدة، لاسيما أن الجيش الياباني يشارك في مهمات إنسانية عدة مع أصحاب القبعات الزرقاء. لا أريد الإسهاب في ذكر أمثلة أخرى، كي أعود إلى منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص دول الخليج العربي الذي جعله القدَر الجغرافي والتاريخي في تماس دائم مع إيران التي لم تتوقف عن الاعتداء والعدوان دون مبرر. وبالنسبة لهذه الدول، والتي لا زالت عقيدتها القتاليّة دفاعية محضة، وإنْ شاركت في بعض العمليات العسكرية للضرورة، فإنها أصبحت هدفاً لاعتداءات النظام الإيراني.
وأعتقدُ شخصياً أنه حان الوقتُ كي تعيد دولُ الخليج العربية النظرَ في عقيدتها القتاليّة، وفق خطوات واعية ورؤى استراتيجية راسخة، لأن هذا الموضوع، أي تغيير العقيدة القتاليّة لأي دولة، هو أشبه بتغيير المسار في الطرقات من اليمين إلى اليسار أو العكس. ويعني هذا تطويرَ كل الخطط العسكرية، الآنية والمستقبلية، ابتداءً من نوعية الأسلحة وصولا إلى تدريب الأفراد وإعدادهم نفسياً وبدنياً. إنها عملية تغيير في قلب العقيدة القتاليّة، ولها دور مهم في الحفاظ على أمن الأوطان ومكتسباتها وحمايتها من التعرض لأي اعتداء مفاجئ أو غير مفاجئ.
وتاريخُنا المشرقُ في هذا المجال يعلّمنا كيفيةَ التعامل مع مَن يتجاوز حدودَه، وقد قال عبد الرحمن بن محمد الداخل الثالث، المعروف بالناصر، وهو يخاطب جيشه: «عندما صمتَ أهلُ الحق تمادى أهلُ الباطل في باطلهم وارتفعت أصواتُهم، فدفعوا بحدودهم وجيوشهم يقتطعون أرضَكم وديارَكم، منتهزين الفتنةَ واشتعالَها، وهم مَن كانوا يرجون مسالمتَنا».
ما أتحدّثُ عنه هنا أصبح مِن ضرورات المرحلة، والتي لا يمكن مواجهةُ تحدياتها إلا بالأدوات المناسبة، بما في ذلك نوع العقيدة القتاليّة الذي أصبح أحدَ أهم المستلزمات الضرورية.
دخل أحد القادة العرب، قبل أكثر من خمسة قرون، على قائد أوروبي وترك على مكتبه ورقة مكتوب عليها: «لن أعقد معك اتفاقاً، فقد نتقابل كأصدقاء اليوم وعدوين غداً، ولكن بما أني بحاجة إليك هذه الأيام، وأنت بحاجة إلي أيضاً، فدعنا نتفق على أنْ لا نقاتل بعضَنا بعضاً».
ولو نظرنا حولنا لوجدنا دولةً مثل كندا عندما شعرت بأن جارَها وحليفَها الاستراتيجي، أي الولايات المتحدة، أخذت تستفزها عبر ضغوط تجارية، بدأت البحثَ عن البديل الذي يمكن أن ينقذها مستقبلاً من احتمال الوقوع تحت طائلة الضغوط الأميركية.
وما فتئنا نتساءل: لماذا كل هذه الحروب؟ أليس من حق الإنسان في جميع بقاع العالم أن يعيش في سلام وبلا حروب؟ وهل أصبح السلام عملة نادرة هذه الأيام؟
*كاتب إماراتي