في خضمّ الاستعداد لحفل تخرّجي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بمناسبة حصولي على درجة الدكتوراة، وجدتني أفكر في معنى هذه اللحظة، وفي المسافة الطويلة التي قطعتها منذ مقاعد الدراسة الأولى حتى اليوم. تذكرتُ محطاتٍ ووجوهاً وأمكنة وأحداثاً، لكن الغريب أن أول ما استدعته ذاكرتي لم يكن كتاباً قرأته، ولا شهادة حصلت عليها، ولا أستاذاً تتلمذت على يديه، بل زجاجة عطر لا أزال أحتفظ بها منذ سنوات بعيدة.
زجاجة عطر أهدتني إياها أمي يوم نجاحي في أحد صفوف المرحلة الإعدادية. لا أذكر اليوم تفاصيل ذلك النجاح، ولا الدرجات التي حصلت عليها، لكنني أذكر فرحة أمي. وربما لم أكن أدرك آنذاك أن أمي، وهي تقدم لي هديتها، كانت تمنحني شيئاً سيبقى معي طوال العمر؛ كانت تربط في وجداني بين النجاح والفرح، وبين الاجتهاد والتقدير، وتزرع في نفسي رغبةً في أن أعود إليها بنجاح جديد، لأرى الفرحة نفسها في عينيها.
مرت السنوات، وتوالت النجاحات والإخفاقات، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي، وبقيت زجاجة العطر التي اشتريت لاحقاً مجموعة منها على مدى سنوات، ولم أحتفظ بها لقيمتها المادية، ولا لأنها من عطر مشهور، بل لأنها أصبحت وعاءً لذاكرة لا أريد لها أن تغيب. وكلما عدت إليها، شعرت أنني لا أستنشق رائحة عطر بقدر ما أستنشق زمناً كاملاً؛ زمن الطفولة، ودفء البيت، وفرحة النجاح الأولى، وحضور أمي الذي يغمر العالم من حولي بالسكينة والأمان.
للرائحة قدرة عجيبة على استدعاء الذاكرة. قد ننسى ملامح مكان، أو تتلاشى من ذاكرتنا كلمات قيلت قبل عقود، لكن رائحة عابرة تستطيع أن تعيد إلينا مشهداً كاملاً، بأشخاصه ومشاعره وتفاصيله. ولعل هذا ما يفسر أن الروائح ترتبط في ذاكرتنا بالعاطفة ارتباطاً وثيقاً، وأن عطراً واحداً قد يوقظ في النفس ما تعجز عن إيقاظه عشرات الصور والكلمات. غير أن هذه الزجاجة تحمل بالنسبة إليّ معنى آخر يتجاوز الحنين إلى أمي. إنها تذكرني بأن النجاح ليس حدثاً منفصلاً، ولا محطة تنتهي عندها الرحلة، بل مسيرة تتصل حلقاتها بعضها ببعض.
فالطفل الذي فرح بعطر أمه يوم نجاحه في المدرسة هو نفسه الذي يستعد اليوم لارتداء ثوب التخرج ونيل الدكتوراة. وبين اللحظتين سنوات طويلة من التعلم والعمل والتجربة، لكن الخيط الذي يصل بينهما لم ينقطع. أفكر اليوم أن أمي، حين أهدتني ذلك العطر، لم تكن تكافئني على نجاح مضى فحسب، بل كانت، من حيث لا تدري، ترسم لي طريق نجاحات لم تأتِ بعد. كانت تقول بلغتها البسيطة إن الجهد يستحق التقدير، وإن المعرفة طريق يستحق أن نمضي فيه، وإن فرحة النجاح لا تكتمل إلا حين نتقاسمها مع من نحب. تحولت هدية صغيرة إلى حافز ظل يرافقني، حتى بعد رحيل صاحبتها. فكم من مرة سعيت إلى إنجاز جديد، وكان في داخلي شيء من ذلك الطفل الذي يريد أن يعود إلى أمه حاملاً بشرى نجاحه! وكم من نجاح حققته، ثم شعرت أن فرحتي به ينقصها حضورها، وأن أول من كنت أتمنى أن أخبره به لم يعد في هذا العالم.
لا أنظر الآن إلى حصولي على الدكتوراة بوصفه بداية جديدة منفصلة عما سبقها، بل أراه امتداداً طبيعياً لتلك الرحلة التي بدأت في بيتنا، برعاية أمي وتشجيعها وإيمانها بأن أبناءها قادرون على أن يحققوا ما يصبون إليه. وربما كانت هذه هي القيمة الأعمق لما يقدمه الآباء والأمهات لأبنائهم؛ فليست الهدايا وحدها ما يبقى، بل المعاني التي يودعونها فيها، والثقة التي يزرعونها في النفوس، والأثر الذي يستمر حتى حين يغيبون. أتساءل اليوم: هل كان يمكن لأمي أن تتخيل، وهي تقدم لي تلك الزجاجة قبل كل هذه السنوات، أنني سأعود إليها يوم حصولي على الدكتوراة؟ وهل كانت تدري أن هديتها ستظل حاضرة في كل خطوة أخطوها نحو نجاح جديد، وأن رائحتها ستصبح عندي مرادفاً للنجاح، كما أصبحت مرادفاً للأمومة والحنان؟
رحمكِ الله يا أمي. لقد مضيتُ بعيداً في رحلة العمر، لكنني كلما حققت نجاحاً جديداً عدتُ إلى هديتكِ الأولى، وكأنني ما زلت ذلك الطفل الذي ينتظر أن يرى الفرح في عينيك، أن يمنحك جزءاً يسيراً مما منحتني إياه مما يصعب أن تحيط به الكلمات، أن يغمر نفسي السلام والرضا في لحظات نادرة، فأحس أن روحك قريبة مني، تؤنسني وترعاني لا تزال. لهذا كله شعرت أن حفل التخرج ليس احتفالاً بشهادة علمية فحسب، بل هو أيضاً مناسبة للوفاء، وفاء لطفل بدأ رحلته بحلم صغير، ولأم كانت ترى في نجاحه امتداداً لأحلامها، ولذكرى لم تستطع السنوات أن تطفئ وهجها.
ذهبت إلى حفل تخرجي، وحملت معي فرحة الإنجاز، لكنني حملت أيضاً تلك الزجاجة الصغيرة، أو شيئاً من عبيرها. استحضرت أمي التي غابت عن عيني ولم تغب عن حياتي، وشعرت أن المسافة بين ذلك الطفل الذي تلقى هديته في المدرسة الإعدادية، وهذا الرجل الذي احتفل بالدكتوراة، ليست طويلة كما تبدو في حساب السنوات؛ فما زال العطر نفسه يجمع بينهما، وما زالت فرحة أمي هي المعنى الأجمل لكل نجاح.
*كاتب إماراتي