ما كانت حربُ غزة التي بدأتها «حماس» هي أولى الحروب التي تبتلينا التنظيماتُ المسلَّحة باستجلابها إلى الديار، لكنها هي آخر الحروب وأكبرها، وقد تسببت في إعادة احتلال غزة وهدمها ومقتل ما يقارب المائة ألف من سكانها. ولا يمكن المعذرة بأنّ المبادرين إلى الحرب ما كانوا يعلمون بالعواقب. فمنذ عام 2007، تاريخ استيلاء «حماس» على غزة، خاضوا ثلاث أو أربع حروب ضد إسرائيل، وخسروا آلافَ الضحايا وحصل خرابٌ كبير.
وكان الكسب بعد كل الخسائر إطلاق سراح بعض الأسرى الذين كان معظمهم يقع من جديد في الأسر أو القتل في الحرب الخاسرة التالية! وهكذا فقد كانوا يعلمون يقيناً أنهم يخوضون حرباً خاسرةً للمرة الرابعة أو الخامسة، وأنّ الهزيمةَ ستكون أسوأ هذه المرة بسبب طبيعة الحكومة الإسرائيلية، وضغوط الحرب على إيران مع الولايات المتحدة. فلماذا إذن خاضت «حماس» هذه الحرب؟ يقول المعلقون الإسرائيليون الآن، على مشارف الانتخابات، إنّ رئيس الوزراء أهمل مطالبَ «حماس»، كما أهمل الإنذارات التي أتته من عدة جهات. وهؤلاء يذهبون إلى أن السنوار غضب غضباً شديداً لتجاهُل مطالبه، وصمَّم على الانتقام، فكانت الحرب الشعواء التي أدخلت المنطقةَ كلّها في نزاعاتٍ عنيفة. كيف يستطيع زعيمُ ميليشيا مسلَّحة أن يقرر مصائرَ ملايين البشر، ليس في غزة فقط، بل في سائر أنحاء فلسطين، فحتى بساتين الزيتون لا تنجو أشجارُها من القطع على أيدي المستوطنين بالضفة الغربية!
مسائل الغيظ والغضب حالاتٌ مزاجية ممكنة، لكنها لا تعلل كلّ شيء. فقد شاع وقتها الحديثُ من جانب زعيم الحزب المسلَّح في لبنان عن «وحدة الساحات»، وكثر القادمون لمقابلة الزعيم اللبناني من فلسطينيي «حماس» و«الجهاد»، ومن المسؤولين الإيرانيين. وهكذا فقد ارتأت إيرانُ أن مصالحها تقتضي العودةَ لاستغلال البندقية الفلسطينية أو الشعار الفلسطيني. والدليل على ذلك أن الحزب المسلَّح من إيران في لبنان انضمّ للنزاع في اليوم التالي: طوفان «حماس» في 7 أكتوبر 2023، وإسناد الحزب المسلَّح في 8 أكتوبر 2023! ومع ذلك فقد شاع أن السنوار كان شديد الانزعاج، لأن إيران لم تدخل في النزاع بنفسها وإنما أرسلت الحزبَ فحسب!
تحرش الحزب المسلَّح بإسرائيل لإسناد «حماس»، ثم تحرش مرةً أخرى ثأراً لمقتل خامنئي! وقد كانت النتيجة حرباً احتلّت خلالها إسرائيلُ منطقةَ جنوب الليطاني، وبدأت بالتقدم في شماله فهجّرت نصف مليون وقتلت حتى الآن حوالى الستة آلاف فضلاً عن الخراب والتدمير وحتى المنع من جني ثمار الزيتون مثلما فعلت أو فعل المستوطنون في الضفة! وكما تمّ استقدام النزاع المدمّر إلى غزة والضفة، واستقدامه إلى لبنان، استقدمته إيران الآن إلى اليمن. والقصد تعطيل باب المندب كما عطّلت مضيق هرمز. وما اكتفت بذلك بل كثَّفت ميليشياتُها الهجومَ على المملكة العربية السعودية. أما في الحرب الأولى فإنّ إيران شنَّت هجمات على سائر الدول العربية بالخليج والأردن، في حين كانت أميركا وإسرائيل هي التي تشنّ الحربَ على إيران.
وهكذا، في جميع الحالات، تعتبر إيرانُ العربَ ودولَهم الوطنيةَ هي العدوّ وتطلب من أذرُعها شنّ الهجمات عليهم أو تهاجمهم بنفسها. ينتشر الخراب والتهجير والقتل في فلسطين ولبنان واليمن بدفعٍ وتسليحٍ من إيران. وإذا قيل إنّ إسرائيل تخرّب أيضاً، فالحقيقة أن ميليشيات إيران هي التي استقدمتها بالبدء بالهجوم عليها! لا تسمح ميليشيات إيران في الدول العربية لشعوب هذه الدول بالاستقرار والتنمية ورفض الحروب العبثية. ولذا لا بديل عن التضامن العربي الفاعل في وجه هذه الشعوبيات، أياً تكن الصعوبات.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية