في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي دخلت منطقةُ الخليج العربي مرحلةً جديدةً على درجة كبيرة من الأهمية وذات انعكاسات إقليمية ودولية ليست بالسهلة. في ذلك اليوم قامت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بشنِّ هجمات جوية مكثَّفة ضد أهداف محددة في إيران، وقد ردّت هذه الأخيرة باعتداءات صاروخية على معظم دول الخليج العربية والأردن. واستمر التوتر العسكري في المنطقة حتى تم الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في الرابع عشر من شهر يونيو الماضي لتتوقف بعدها الحرب، ولو بصورة مؤقتة.
وقد أفرزت الحربُ نتائجَ بالغة الخطورة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية. فعلى جانب، تسببت الاعتداءات الصاروخية الإيرانية ضد دول الخليج العربية في نشوء أزمة ثقة خطيرة، ورغم أنها كانت موجودة بالفعل قبل هذه الاعتداءات فإنها تسببت في توسيع الهوة بدرجة كبيرة بين الطرفين. وعلى الجانب الآخر، كان لقيام طهران بإغلاق مضيق هرمز هدفان رئيسيان، الأول مباشرٌ، وهو «معاقبة» واشنطن على ضرباتها وبالتالي زيادة أسعار الطاقة على المواطن الأميركي مما يمكن أن ينعكس على ثقته بالرئيس دونالد ترامب. والهدف الثاني غير مباشر، وهو التسبب في زيادة أسعار الطاقة عالمياً، ظناً من طهران أن ذلك سيدفع نحو موجة من الضغوط على واشنطن لإيقاف الحرب. تلك نظرة عامة حول الأوضاع في منطقة الخليج العربي خلال الفترة الماضية، والتي كانت من الأهمية بمكان أن حددها مركز تريندز للبحوث والاستشارات لتكون موضوع مؤتمره السنوي السادس الذي انعقد قبل أيام قليلة في العاصمة أبوظبي تحت عنوان «الأمن المستدام.. مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب». وقد استعرض المؤتمرُ الرؤيةَ الجديدةَ للأمن الإقليمي، بجانب السرديات والحرب المعلوماتية، وقوة الشراكات، ومدى تأمين تدفقات الطاقة والتجارة في عصر التنافس الجيواقتصادي. وأسهم في عرض ومناقشة تلك المحاور نخبةٌ مِن الخبراء وصناع القرار من الدول العربية وباقي دول العالم. واللافت للنظر قيام المركز بإطلاق الكتاب الخاص بالمؤتمر، والذي قام خلاله مجموعةٌ من الباحثين الإماراتيين بمناقشة العديد من القضايا الاستراتيجية بموضوعية وشفافية تأمين. ومن تلك القضايا المواقف والتحالفات السياسية والاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب، وتأثيرها الاقتصادي على العالم، إلى جانب رصد وتحليل التغيرات في الداخل الإيراني وانعكاساتها على الخارج. أضف إلى ذلك القراءةُ التحليلية حول العمليات العسكرية وتحولات الإرهاب في الشرق الأوسط في ظل الحرب.
ولم يقتصر الأمرُ على الباحثين المواطنين فقط، بل تجاوزه إلى مستوى يعكس مدى النجاح الباهر الذي حققته جميع الجهات المنضوية تحت «مجموعة تريندز». والمقصود هنا هو النجاح في توطين الوظائف داخل المجموعة، إذ انتشر في جميع جنبات المؤتمر كوكبةٌ من المواطنين الذين عكسوا الصورةَ المشرقة عن الإمارات متميزين بأعلى مهارات التواصل والتنظيم.
والخلاصة أن المؤتمر السنوي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات جاء مواكباً لأحداث آنية ذات دلالات استراتيجية مهمة جديرة بالرصد والتحليل، استعداداً لما سوف يحدث من تطورات على المدى القصير والمتوسط في منطقة الخليج العربي، مما سيكون لها تأثير كبير على كافة المستويات.
*باحث إماراتي