للتاريخ حيلة عجيبة، فهو لا يعود إلينا دائماً في صورة أحداث تتكرر، وإنما يتسلل إلى عقولنا، ويستقر في مفاهيمنا، حتى نظن أننا نفكر بحرية، بينما نحن نعيد طرحَ أسئلة سبق لغيرنا أن طرحها.
حين تحدّث مكيافيللي عما يفيد تكرار التاريخ، كان يلتفت إلى تشابه الأهواء والمصالح والمخاوف التي تحرّك البشرَ رغم تعاقب العصور. وبعده بقرون، ذهب مواطنُه بنديتو كروتشه إلى أن «كل تاريخ حقيقي تاريخ معاصر»، لأن الماضي لا يصبح سؤالاً معرفياً حياً إلا حين نستدعيه من داخل اهتماماتنا الراهنة.
وأريد أن أضيف إلى الفكرتين أطروحة أخرى: «كل الفكر فكر معاصر». وليس معناها أن الفكر يولَد في حاضرنا، بل إن الأفكار تستأنف حياتَها كلما أعاد الإنسان مساءلتَها.
تأمّلوا أوروبا، فقد ابتعدت عن أثينا قروناً، لكنها لم تغادر أسئلتَها الكبرى. لا تزال تناقش الحقيقةَ والوجود والعدل والحرية، كما لو أن حواراً طويلاً يتواصل بين أفلاطون وأرسطو وكانط ونيتشه وغادامير. غير أن حيويةَ هذا الحوار لم تأت من تكرار الأجوبة القديمة، لقد صنعتها جرأة النقد، والاعتراف بأن احترام الفلاسفة لا يقتضي الإقامة داخل أنساقهم الفلسفية.
أما نحن، العرب والمسلمين، فلا يزال شيء من السقيفة يسكن وعيَنا. ولا أقصد أن السقيفة تفسر تاريخَنا كلَّه، أو أن منازعاتِنا الكلامية والفقهية والفلسفية وُلدت جميعاً فيها. لقد كانت واقعة محددة، واجه فيها المسلمون سؤالَ تدبير الجماعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم، لكنها أصبحت إحدى العتبات التي استُعيد عبرها التفكير في الشرعية والجماعة والتأويل والاختلاف.
وهنا تتجاوز المسألةُ السياسةَ إلى فلسفة الوعي ذاته: كيف يتحول سؤالٌ فرضته ظروفٌ بعينها إلى معيار نزن به أسئلةً لم تكن موجودةً آنذاك؟ وكيف تنتقل التجربةُ مِن كونها موضوعاً للفهم إلى سلطة على الفهم؟ حين نستدعي السقيفةَ اليوم، فنحن لا نعود إلى الحادثة كما كانت، بل نلتقي أيضاً بطبقات من الروايات والمذاهب والتأويلات التي تكوّنت حولَها.
والحق أن مشكلةَ الفكر ليست في أن يتغذى من الماضي، فذلك شرطُ كل معرفة، وإنما في أن تختلط عنده حرمةُ الأصل بحصانة التأويل. فليس كل ما ورثناه مقدساً لمجرد قدمه، ولا كل ما جاءنا من الحاضر صائباً لمجرد جدته. إن الحرية الفكرية تبدأ حين ننقل الموروث من مقام الاستنساخ إلى مقام المحاورة. والفكر الذي لا ينتبه إلى هذه المسافة لا يحفظ الأصولَ بقدر ما يعطل قدرتَها على مخاطبة الإنسان المتغير.
لقد أدرك ابن خلدون أن الخبرَ لا يستقيم فهمُه إلا بمعرفة أحوال العمران، وذكّرنا غادامير بأن القارئ يدخل إلى الماضي حاملاً أفقَه وأسئلتَه. ومن دون هذا الوعي، قد نعيد إنتاجَ الحدود القديمة ونحن نتوهّم أننا ندافع عن حقائق لا تاريخ لها.
ولعلنا نشبه أحياناً سجناء كهف أفلاطون، إذ ألِفنا الظلالَ حتى ارتبكنا أمام احتمال الضوء. ثم نضل في متاهة كريت، باحثين عن خيط أريادني، مع أن أول الطريق أن نفهم كيف رسمنا جدرانَ المتاهة في أذهاننا.
فهل نقرأ التاريخ لنفهمه، أم لنعثر فيه على شهادة تؤيدنا؟ وهل نملك أن نختلف مع الأسلاف من دون أن نقطع صلتنا بهم؟ وهل نبحث عن مخرج من المتاهة أم عن صيغة أبلغ لوصفها؟
أحسب أن المعاصرةَ لا تبدأ بنسيان أثينا أو السقيفة، ولا بالخروج من التاريخ، بل بإعادة بناء علاقتنا بما ورثناه. وهنا تتكشف أطروحة العنوان: «كل الفكر فكر معاصر»، لأن الماضي لا يفكر في حاضرنا إلا بالطريقة التي نُحضر بها أفكارَه إليه. قد نجعلها أدواتٍ لفهم الممكن، وقد نحوّلها إلى جدران جديدة للكهف. ليست المشكلة أن الماضي لا يزال يفكر فينا، بل أن نتركه يفكر بدلاً منا، فمعاصرة الفكر مسؤولية العقل عن المعنى الذي يمنحه لميراثه في كل زمن.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة