في العشرين من أكتوبر 1969، خرجت إلى الناس صحيفة أسبوعية تُطبع في بيروت وتُحمل إلى أبوظبي، اختار لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، اسماً يختزل حلماً كاملاً: «الاتحاد». كانت الدولة يومئذٍ فكرةً تتخلّق في دواوين الحكّام المؤسسين، فحملت الصحيفةُ اسمَ الدولة قبل ميلادها، وهكذا سبق الاسمُ المسمّى، وتقدّمت الكلمةُ على الكيان، كأنما أراد المؤسس أن يلقّننا درساً مبكراً في فلسفة الإعلام: الوعي يمهّد للمستقبل ويرسم ملامحه، والكلمة الصادقة بذرة الدولة الراسخة.
وللصحافة نَسبٌ أعرق مما يظن كثيرون، ففي عام 59 قبل الميلاد أمر يوليوس قيصر بتدوين أعمال مجلس الشيوخ والشعب ونَشْرها على الملأ، فكانت «أكتا ديورنا»، أي «الوقائع اليومية»، نموذجاً أولياً للصحيفة الحديثة. ومنذ تلك الألواح المعروضة في ساحة روما، ظل سؤالُ الصحافة واحداً في جوهره، متجدداً في أدواته: كيف يتحوّل الواقع من حدثٍ يقع إلى خبرٍ يُروى، ثم من خبرٍ يُروى إلى معرفةٍ يُبنى عليها الرأي والقرار؟
وقد أدرك ابن خلدون خطورةَ هذا التحوّل قبل أكثر من ستة قرون، حين قرّر في مقدمته أن «الكذب متطرّق للخبر بطبيعته»، ثم أحصى أسبابَه: التشيّع للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين، والجهل بطبائع العمران. وبهذا المعنى تغدو الصحافةُ علماً بالخبر قبل أن تكون صناعةً له، منهجها التمحيص، ودستورها الأمانة، وغايتها أن يرى القارئ العالَمَ كما هو. فالإنسان المعاصر يستمدّ أكثرَ معارفه من شهادة الآخرين، وتضيق تجربتُه المباشرةُ كلما اتسع عالَمُه، ومن ثمّ صار الصحفي شاهداً بالنيابة عن أمة بأسرها، يحمل أمانةَ عيونها وآذانها.
ولعلّ هيغل التقط هذا المعنى حين عدّ قراءةَ الجريدة في الصباح صلاةَ الإنسان الواقعي، يتوجّه بها إلى العالَم ليعرف موقعه منه. ثم جاء الفلاسفة المعاصرون ليكشفوا كيف وُلد «الفضاء العمومي» في مقاهي القرن الثامن عشر وصفحات دورياته، حيث تَعلو قوةُ الحجة على مَقام قائلها. هكذا غدت الصحيفة ساحةً يتحوّل فيها الرأي الخاص إلى رأي عام، ويتعلّم فيها المجتمع أن يفكّر بصوتٍ مسموع، وأن يحاسب الفكرةَ بميزان العقل.. فالجريدة في جوهرها تمرينٌ يومي على العقلانية المشتركة، ومختبر تتعلّم فيه الأمم كيف تختلف بحكمة، وكيف تتّفق ببصيرة.
أما اليوم، وقد أغرق طوفانُ الإعلام الرقمي الفضاءَ العامَّ بسيلٍ من الروايات المتضاربة، فقد تبدّلت وظيفة الصحفي تبدّلاً جوهرياً، إذ انتقل من نقل الخبر إلى حراسة المعنى، ومن سباق السرعة إلى رهان الثقة. 
وأضحت الصحافةُ الرصينةُ جهازَ مناعةٍ للوعي الجمعي، يفرز الصحيحَ من الزائف، ويحصّن العقولَ من عدوى الشائعة، ومِن خطابات التطرف التي تقتات على الفوضى وتتغذّى من الفراغ. ومن هنا تتجلّى المفارقةُ الكبرى لعصرنا: كلما تضاعفت المعلومات تضاءلت المعرفة، وكلما تسارع تدفّق الأخبار اشتدّت الحاجةُ إلى عقلٍ يتمهّل ويزن.
 وعلى هذا الأفق انعقد أمس منتدى «الاتحاد» الحادي والعشرون تحت عنوان «العلاقات الدولية والتحالفات.. الواقع الراهن والمعنى الاستراتيجي»، امتداداً لتقليد رسّخته الصحيفة منذ عام 2006 في إحياء ذكرى صدورها. ويستمدّ المنتدى دلالتَه من توقيته، فالمنطقة تعيش تداعياتِ الحرب مع إيران، وأسئلةُ أمن الخليج وممرّاته البحرية وإمدادات الطاقة تتصدّر اهتمامَ العالم، فيما تُعاد صياغةُ التحالفات على إيقاع المصالح المتحوّلة. وفي ذلك انتقالٌ واعٍ من رواية الحدث إلى تأويله، ومن تمحيص الأخبار إلى تعليل الوقائع، وهما الركنان اللذان أقام عليهما ابن خلدون منهجَه في علم التاريخ.
سبعةٌ وخمسون عاماً، والاسم الذي سبق الدولة غدا اليوم شاهداً على نضجها، ورفيقاً لعقلها، وهي تقرأ عالماً مضطرباً بعين الحكمة. ويبقى الدرسُ الأبلغُ في مسيرة «الاتحاد» أن الصحافة ذاكرةُ الحاضر وضمير المستقبل.. الخبر يمضي مع يومه، والمعنى يقيم في وجدان المجتمع، والحبر يجفّ على الورق، والحقيقة تبقى نديّةً في العقول. لقد حملت صحيفةُ «الاتحاد» اسمَ الدولة يوم كانت حلماً، وها هي الدولة اليوم تحمل صحيفتها شاهداً على أن الحلم صار وطناً.

*كاتب إماراتي