في أعقاب حرب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران، وما تعرَّضت له الأخيرة من تحجيم واضح على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية كافة، وما تتعرَّض له من عقوبات اقتصادية منذ سنوات، ومن حصار بحري وجوي واقتصادي وتجاري، وصلت آثاره حتى طالت العظم، كما يقول رئيسها، فإن السياسة الخارجية لهذه الدولة العدائية تتعرَّض للمصير المؤلم نفسه الذي طال مجمل أحوالها.
وهذه السياسة أصبحت موضوعاً خاضعاً لقدر كبير من النقاش في أوساط علماء السياسة والمتخصصين في العلاقات الدولية والمحللين السياسيين ورجال الإعلام والصحافة.بعض المهتمين بسياسة إيران الخارجية، يرصدون مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة التي لم تحسم فصولها بعد، ولم يسدل الستار على آخر مشهد فيها، بسياسة خارجية مهيمن عليها من قبل الاعتبارات الأيديولوجية السابقة نفسها في حالة بقاء النظام الحاكم في السلطة، وعدم خروجه منها، وبقاء الحرس الثوري مسيطراً على زمام الأمور.
آخرون يتحدثون عن عودة إيران إلى المجتمع الدولي عضواً طبيعياً فيه بحيث تصبح ليست مختلفة عن الدول الوطنية الأخرى، وغير مارقة، وغير شاذة عن القاعدة العامة التي فيها المصالح الجيو- استراتيجية والاقتصادية والمالية للدولة، هي التي تحدد سياستها الخارجية، وهذا أمر حتمي يجعل من سياسة إيران الخارجية على مدى السنوات القليلة القادمة متسمة بالاعتبارات السابق ذكرها، وبأولويات لا تختلف عما تمارسه الدول الأخرى السوية الموجودة في المجتمع، وتعيش تحت مظلة القانون الدولي.
والحقيقة هي أن إيران الثورية على مدى السنوات التي خلت، والأفكار والأيديولوجيا التي سادت غيَّرت بشكل جذري من وضع طهران على الصعيد العالمي، وجعلت منها دولة عدائية تجاه المجتمع الدولي، وأصبحت مصنفة لدى الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها دولة راعية للإرهاب، ومتعالية تجاه جيرانها القريبين، ودول أخرى كثيرة، دون وجه حق، ودون وجود أسباب منطقية أو واضحة سوى الادعاء بأنها وحدها على حق وجميع الدول الأخرى على خطأ.
إن ذلك أمر مستمر مع كونه مصطبغاً ومقروناً باستمرارية عبر المياه العكرة لمسارات الثورة، بحيث لا يوجد تمييز واضح بين كون إيران دولة - وطنية، تعيش في وسط منظومة من الدول الوطنية الأخرى، ويحكمها قانون دولي من المفترض أن تطول بنوده وقواعده الجميع، وبين كونها (دولة ثورية) ترفع شعارات متطرفة لا تتماشى مع وضع دولة وطنية تعيش في مجتمع دولي يتضمن مائتي دولة.
لكن من جانب آخر، التحولات والتقلبات التي شهدتها السياسة الخارجية الإيرانية تزامنت مع أسس ومنطلقات وتوجهات محيرة ومثيرة للدهشة ومقلقة أيضاً.
منذ بداية عهد هذا النظام الحاكم كان مكشراً عن أنيابه تجاه حلفاء إيران التقليديين قبل غيرهم.
وأول تصرف عدائي قام به هذا النظام تجاه الخارج كان تسليط غوغائه لاحتلال سفارة الولايات المتحدة في طهران واحتجاز أطقمها الدبلوماسية والإدارية والأمنية لمدة بلغت 444 يوماً، ووضعهم تحت الإقامة القسرية.
ثم توالت التصريحات والأفعال والتصرفات الهوجاء تجاه دول من أعضاء المجتمع الدولي ومواطنيها.
ما قبل سيطرة أصحاب العمائم على مقاليد السلطة السياسية وإدارة الشؤون الخارجية كانت لإيران علاقاتها الدولية الوثيقة مع معظم دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا ودول الخليج العربي، بل كانت حليفاً موثوقاً به لدى الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالية، وكان الشاه السابق يتفاخر بعلاقات بلاده الطبيعية مع جميع هؤلاء.
لكن بين ليلة وضحاها انقلبت الأمور رأساً على عقب، وساد الجهل والتعنت والإرهاب واستصغار الآخرين هو سيد الموقف في سياسة إيران الخارجية. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي