تبدو روسيا حالياً في صورة مزدوجة، فهي لا تواجه على المدى القصير عجزاً عن دفع تكاليف حربها في أوكرانيا، لكنها تواجه تآكلاً تدريجياً على هوامش الأمان المالية. وكذلك لم تعد قدرتها على تمويل هذه الحرب، تقاس فقط بحجم الإحتياطيات الدولية التي يعلنها البنك المركزي والبالغة نحو 769 مليار دولار بنهاية أغسطس الماضى، (333.5 مليار دولار من الذهب و435.5 مليار دولارعملات أجنبية وأصول أخرى)، بل بقدرتها على تحويل هذه الاحتياطيات إلى سيولة قابلة للاستخدام، وبحجم الأموال المتاحة في صندوق الثروة الوطني، وإيرادات النفط والغاز، وقدرة الدولة على الاقتراض من السوق المحلية ورفع الضرائب من دون إحداث أزمة مالية.

ويأتي النفط في صلب هذه المعادلة، حيث لا تزال عائداته تمثل مورداً بالغ الأهمية للخزينة الروسية، لكن التطورات، تظهر في الوقت نفسه أن قدرة موسكوعلى تحويل النفط إلى تمويل صافٍ للحرب أصبحت أكثر تعقيداً، مع العلم أن الضرائب المرتبطة بإنتاج النفط والغاز تشكل نحو 20 في المئة من الإيرادات الضريبية التي تدخل الموازنة. لكن المشكلة أن ارتفاع سعر النفط لا يعني بالضرورة ارتفاع الإيرادات الحكومية بالنسبة نفسها، فخلال الأشهرالتسعة الأولى من العام الحالي، تراجعت الإيرادات الروسية المرتبطة بالنفط والغاز إلى نحو 5.47 تريليون روبل، مقارنة بنحو 6.61 تريليون روبل في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بانخفاض يقارب 17 في المئة.

واللافت أن هذا التراجع حدث رغم ارتفاع سعر خام الأورال الروسي إلى أكثر من 92 دولاراً للبرميل، أي نحو ضعف مستواه قبل الحرب.

وبذلك تظهر المفارقة الأساسية، بأن ارتفاع سعر النفط لم يعد كافياً لتعويض انخفاض الإنتاج والصادرات، وتأثير سعر صرف الروبل والعقوبات. مع الإشارة إلى أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في حجم الإيرادات النفطية، بل في حجم الإنفاق العسكري الذي يلتهم جزءاً متزايداً من الموازنة، ووفق معهد ستوكهولم الدولي، بلغ تمويل الحرب نحو 16 تريليون روبل في العام الماضي، بما يعادل 7.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وحُدد في موازنة العام الحالي بنحو 14.9 تريليون روبل، أي 6.3 في المئة من الناتج المحلي، مع احتمال زيادة هذا الرقم حتى نهاية العام. وذلك يعني أن النفط لا يموّل الحرب بصورة مباشرة فقط، بل يساعد على تمويل الدولة الروسية التي تعيد توجيه جزء كبير من مواردها نحو الحرب، ولهذا فإن خفض الإيرادات النفطية، لا يعني توقف الحرب لكنه يعني أن الدولة تضطر إلى تعويض الفجوة من مصادر أخرى.

ولكن يبقى أن النفط لا يزال صمام الأمان الروسي وهو الأكثر أهمية في تحديد قدرة روسيا على الاستمرار، فارتفاع الأسعار العالمية منح روسيا متنفساً مهماً، ولكنها لا تزال أكثر تعرضاً لعوامل مثل: العقوبات، وصعوبة التصدير، والخصومات على الخام الروسي، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وسعر صرف الروبل، وانخفاض الإنتاج واضطراب المصافي، والقيود على التكنولوجيا والاستثمار في قطاع الطاقة.

وبالتالي فإن ارتفاع سعر النفط وحده، لم يعد ضمانة تلقائية لارتفاع الإيرادات الروسية بالقدر نفسه. وهكذا تكشف السنوات الأربع الماضية أن النفط لم يفقد دوره كمصدر أساسي للقوة المالية الروسية، لكنه لم يعد مصدراً مريحاً وغير محدود لتمويل الحرب.

*كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية.