بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في الانتخابات التشريعية التي ستجري في 27 أكتوبر الجاري تكون الإدارة الأميركية قد حسمت موقفها بدعم أحد المرشحين، حيث دار نقاش غير معلن داخل الإدارة حول إمكانية الدعم المباشر لاحد المرشحين أو العمل على مساندة مرشح دون الآخر، خاصة أن الرئيس ترامب سبق وأن استقبل زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إثناء حرب غزة في البيت الأبيض، ما يعني أن الإدارة الأميركية قريبة مما يجري داخل إسرائيل وأن لديها توجهات متعددة حسمت بدعم ترامب لنتنياهو مؤخراً، فهذه الإدارة انتقلت من موقف متباين إلى تبني مقاربة واضحة في هذا الإطار، ما يتطلب التساؤل حول حدود وقيود التدخل الأميركي المباشر في ما سيجري في الساحة الحزبية الإسرائيلية.
ومن ثم فإن الإدارة الأميركية اختارت دعم نتنياهو على اعتبار أنها اختبرته من قبل، وهذا لم يحدث مع مرشحين آخرين من نوعية جارد ايزنكوت المرشح بقوة لمنافسة نتنياهو، والذي وضعته استطلاعات الرأي في المقدمة أو على الأقل المنافسة على منصب رئيس الوزراء وإمكانية تشكيل حكومة، وفي مقابل ما يدعو إليه نتنياهو بإمكانية العمل معاً في إطار طرح تشكيل حكومة كل إسرائيل تضم كل القوى الحزبية الحالية من دون الأحزاب العربية.
وفي ظل ما يجري، فإن الإدارة الأميركية والحزب «الجمهوري» حسم مسألة دعم نتنياهو أمام المرشحين الحاليين بما فيها أسماء كبيرة لا تقتصر علي الجنرال ايزنكوت بل تمتد إلى بيني جانتس ويائير جولان، وليبرمان، إضافة إلى زعيم المعارضة يائير لابيد برغم عدم ثقله في الانتخابات المقبلة إلا أن هذه الأسماء من خلال تكتلاتهم سيكون لهم دور في المشهد السياسي الداخلي، خاصة أن اعتماد نتنياهو على دعم ومساندة الأحزاب اليمينية التي شكل منها حكومته الحالية وارد ومطروح بقوة، وهو ما تنظر إليه الإدارة الأميركية بانه قابل للتحقق.
يبدو موقف الإدارة الأميركية ساعياً للحصول على دعم الصوت اليهودي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، حيث تلعب منظمة ايباك كبري المنظمات اليهودية دوراً مباشراً في هذا الإطار، وتعمل على الانفتاح علي الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» مع دعوة أعضاء الكونجرس علي لعب دور مؤثر فيما يجري في إسرائيل بل الرهان على ما يطرح ليس فقط على مستوى الدعم والمساندة لرئيس الوزراء الحالي نتنياهو، بل العمل على طرح رؤى متعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة بما يخدم المصالح الأميركية الإسرائيلية في المقام الأول، وفي ظل رهانات على توثيق العلاقات المشتركة بوصفها علاقات استراتيجية بمعنى الكلمة، وهو ما سيطرح في سياق من الأولويات المشتركة، ولا يتوقف فقط عند دعم هذا المرشح أو ذاك. ولهذا فإن الكونجرس يعمل على طرح سياسات حقيقية قد ترتبط شكلاً بما يجري في الساحة الحزبية الإسرائيلية، ولكن لا تتوقف عند حدود الأسماء خاصة وأن إسرائيل في دوائر الكونجرس ينظر لها بانها قضية داخلية وليس علاقات مع دولة حليفة فقط، بما يسمح بالتدخل في ما يجري من تطورات وطرح الأصلح لإدارة إسرائيل في الفترة المقبلة.
وبرغم وجود تباينات تبدو من تصريحات نواب الكونجرس بضرورة مراجعة أصول العلاقات الراهنة مع إسرائيل، وفي ظل تغير المزاج الشعبي لدى شرائح أميركية مهمة، وخاصة لرؤية الشباب الأميركي لنمط العلاقات، إلا أن هذا الأمر مرتبط أيضاً بحاجة الإدارة الأميركية الحالية إلى إسرائيل في ملفات محددة بصرف النظر عن طبيعة الدور التي تمثله إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية المعلنة في ديسمبر 2026 واستراتيجية البنتاجون في يناير 2026 الأمر الذي يحفظ لإسرائيل دوراً مهماً ومتقدماً في تنفيذ هذه الاستراتيجية.
وبالتالي فإن التدخل الأميركي في الانتخابات الإسرائيلية مهم ومطلوب وتطالب به دوائر وزارة الحرب ومستشاري الرئيس ترامب والخارجية لكن تنتقده بعض قيادات الحزب «الجمهوري»، انطلاقاً من ضرورة الانتقال التدريجي من التعامل مع أشخاص تم اختبارهم وتعرفهم الإدارة الأميركية إلى التعامل مع مؤسسات إسرائيلية، ولهذا فإن التدخل يجب أن يكون محسوماً، حيث سبق وأن تعاملت الإدارات الأميركية منذ إدارة كلنتون مع حكومات نتنياهو ونفتالي بينت ويائير لابيد وغيرها ولم تتضرر العلاقات بل بالعكس كانت هناك مساحات من التوافقات التي لم تتوافر في الوقت الراهن مع نتنياهو الذي يتعامل انطلاقاً من حسابات مصلحية بحتة، وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي سبق وأن تدخل لدى الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوج لمنح نتنياهو عفواً عاماً.
الإدارة الأميركية تراهن على استمرار نتنياهو في الحكم لكن الإشكالية الرئيسة في عدم تفهم هده الإدارة لحجم المتغيرات الكبرى في إسرائيل وحالة عدم الاستقرار العامة التي تتطلب إعادة ترميم الداخل في ظل ميراث حكم نتنياهو، وهو أمر غاية في الصعوبة وقد يواجه بتلال من الإشكاليات للتعامل، وهو أمر لا تهتم به الإدارة الأميركية في تعاملها مع واقع الانتخابات المقبلة وما ستليها من خطوات لتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة.
*أكاديمي مصري متخصص في الشؤون الاستراتيجية.