لم تكن العناوين الإخبارية مثيرة للاهتمام عندما كتبت أن باحثين اكتشفوا ثغرتين أمنيتين في لغة البرمجة «بي إتش بي»، المستخدمة في إنشاء المواقع والتطبيقات، حيث دُعيت الشركات إلى تثبيت تحديث أمني للتعامل معهما. وأعلنت الولايات المتحدة أنها تفحص الأنظمة الحكومية وتُسرِّع التدابير اللازمة للحد من المخاطر، فيما لم تُعر وسائل الإعلام اهتماماً يُذكر.
قد يبدو الأمر غير لافت للنظر، لكن هذا الانطباع قد يتجاهل جهوداً استثنائية بُذلت خلف الكواليس لمنع وقوع كارثة، كما يحدث عند إحباط هجوم إرهابي أو تفادي أعطال واسعة النطاق كانت متوقعة مع بداية عام 2000. وهذا ما يجعل هذه الواقعة أهم انتصار حققه خبراء الأمن السيبراني حتى الآن في عصر الذكاء الاصطناعي، ومكسباً للصناعة التي تسعى إلى إثبات أن دورها أصبح أكثر أهمية.
وكشفت شركة «ويز» للأمن السيبراني، التابعة لشركة «جوجل»، عن ثغرات أمنية خطيرة تُعرف باسم «بي إتش بي تو شِل» «PHP2Shell»، كانت ستؤثر على نحو 70% من مواقع الويب في العالم. وسمحت الثغرات العميقة، التي استمرت لأكثر من عقد، للمهاجم بتنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد، وكأنك تُسلم مفاتيح تحكم لشخص غريب لفعل أي شيء والاطلاع على ما يريد. وكتبت «ويز» أن الاكتشافات من أخطر الثغرات التي كُشف عنها في لغة «بي إتش بي»، وربما في تاريخ البرمجيات.
وامتد توخي الحذر الشديد عالمياً. فقد توقفت مواقع تابعة لحكومات وسلطات محلية أوروبية عن العمل، وأوقفت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أجزاءً من موقعها للصيانة، فيما تعطلت مؤقتاً شركة أميركية للموارد البشرية. وحثت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، الشركات على تطبيق التحديث سريعاً. لكن الأمر حتى الآن لم يتجاوز توخي الحذر.

واكتُشفت الثغرتان في أغسطس الماضي بمساعدة نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة «الرائدة» التي تطورها مختبرات «أوبن إيه آي» إلى «جوجل». واكتشفتهما «ويز»، وكذلك شركة «كاليف» المتخصصة في الأمن السيبراني، بصورة مستقلة، وبالتعاون مع «أوبن إيه آي»، ضمن مبادرة منسقة باسم «باتش ذا بلانيت»، أُطلقت وسط مخاوف من أن تضاعف تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرات مجرمي الإنترنت والدول المارقة على إحداث الضرر.
ولم تكن المهمة مجرد مطالبة نموذج ذكاء اصطناعي بالعثور على مشكلة، بل أتاح التنسيق بين النماذج والمتخصصين البشر، تنفيذ «سلسلة معقدة للغاية من الخطوات، تتجاوز ما يستطيع الباحثون البشر إنجازه عملياً». وقالت «ويز» إن باحثاً واحداً أنجز في أسبوع ما كان سيستغرق فريقاً «عالمي المستوى» أشهراً لإتمامه.
وبعد اكتشاف الثغرات، بدأت جهود احتوائها سراً. وشرع الفريق المسؤول عن لغة «بي إتش بي»، مفتوحة المصدر، في تطوير الحل والإصلاح، وأُخطرت شركات كبرى للبنية التحتية للإنترنت، مثل خدمات «أمازون ويب» و«كلاودفلير». وكُشف عن الثغرات والحل الأربعاء الماضي، وصدر التحديث صباحاً قبل الموعد المحدد بيوم، بعدما تسربت بعض التفاصيل. كذلك أصدرت «أوبن إيه آي» أداة مساعدة لمنصة «كوديكس» تحدد للشركات التحديثات المطلوبة بسرعة.

وبعد الكشف العلني عن طريقة استغلال الثغرات، بدأ القراصنة يبحثون عن الأنظمة الضعيفة، ونجح بعضهم بالفعل. وقال داين كنخت، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «كلاودفلير»، إن الشركة رصدت «بدايات هجمات» على عملائها قبل إتاحة التحديث، وقدمت تدابير مؤقتة لحمايتهم. ومع ذلك، لا تُقارن تلك الهجمات بما كان يمكن أن يحدث لو اكتشفت جهات خبيثة الثغرات أولاً.

وتبرز الواقعة أهمية شركات الأمن السيبراني المتخصصة في عصر الذكاء الاصطناعي. ففي فبراير، هبطت أسهم شركات رائدة، مثل «كلاودفلير» و«كراودسترايك»، بسبب مخاوف المستثمرين من أن يستحوذ مختبر «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي على أعمالها. لكن ثبت العكس، إذ جعلت التهديدات الأمنية الجديدة الخبرة المتخصصة أكثر قيمة. وارتفعت أسهم «كلاودفلير» نحو 7% عقب الإعلان، محققة مكاسب بلغت 76% منذ هبوط فبراير، فيما صعدت أسهم «كراودسترايك» 146% خلال الفترة نفسها.

وبالطبع، تساعد شركات الذكاء الاصطناعي في مواجهة خطر ساهمت في نشأته، لكن تلك التكنولوجيا باتت واقعاً لا يمكن التراجع عنه، فالتقنيات القادرة على اكتشاف أدوية جديدة وكتابة شيفرات معقدة يمكنها أيضاً اختراق أجهزة الكمبيوتر. وينبغي أن تكون هذه الواقعة مصدر تشجيع، فالعبرة أن التعاون بين باحثي الأمن السيبراني ومختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة قد منح العالم أسبقية في مواجهة تهديد خطير. لذا، يجب استمرار هذه الجهود التعاونية وتوسيع نطاقها.

ومع ذلك، لم نتجاوز الخطر بعد. وكما هو الحال دائماً في مجال الأمن السيبراني، تظل مسؤولية التحرك ملقاة على عاتق فرق الأمن، التي تعمل بناء على امتلاك الحقائق كاملة، وتتوفر لديها أداة جاهزة لسد الثغرات، وتنعم بقدر من الهدوء النسبي بفضل مصادر موثوقة تقدم حلولاً مدروسة بعناية. أما أن الواقعة لم تتصدر الصفحات الأولى للصحف أو نشرات الأخبار المسائية، فذلك يُعد انتصاراً في معركة ضمن حرب لن تنتهي أبداً.
 *كاتب متخصص في قضايا التكنولوجيا الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن